
لندن – تقرير صحفي- أثار الكتاب الجديد للباحث السوري محيي الدين اللاذقاني، الصادر حديثًا عن دار العين تحت عنوان «في الطريق إلى بيت ولادة»، اهتمامًا لافتًا في الأوساط الثقافية والفكرية، بعد أن قدّمت الدكتورة أماني الصيفي قراءة نقدية موسعة له عبر صفحتها على موقع فيسبوك، تناولت فيها أبرز الأفكار والأسئلة التي يطرحها العمل حول التاريخ الأندلسي وآليات كتابته.
ويقع الكتاب في 220 صفحة موزعة على ستة عشر فصلًا، ويقدّم مقاربة مختلفة للتاريخ الأندلسي، لا تنشغل بسرد الوقائع بقدر ما تسعى إلى تفكيك البنية السردية التي صاغت صورة الماضي عبر القرون. فاللاذقاني لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سجلًا ثابتًا للأحداث، بل باعتباره نصًا مفتوحًا للتأويل وإعادة القراءة من خلال أسئلة الحاضر وقضاياه، سواء تعلق الأمر بتمثيلات المرأة، أو علاقة المثقف بالسلطة، أو تشكل الهويات الدينية والاجتماعية.
مساءلة “فانتازيا التاريخ”
ينطلق الكتاب من نقد ما يسميه المؤلف بـ”فانتازيا التاريخ” أو “آلة التاريخ”، حيث يوجّه نقدًا مزدوجًا إلى السرديات الاستشراقية من جهة، وإلى بعض أنماط الوعي التاريخي العربي من جهة أخرى، خاصة تلك التي تميل إلى تمجيد الماضي وتحويله إلى مساحة تعويضية تتجاهل تعقيداته وصراعاته الداخلية.
وتشير الدكتورة الصيفي إلى أن الكتاب يسعى إلى تفكيك البنى السردية التي حكمت كتابة التاريخ الأندلسي، موضحًا كيف جرى اختزال شخصيات تاريخية بارزة، مثل ولادة بنت المستكفي وأبي عبد الله الصغير، داخل قوالب أخلاقية جاهزة تراوحت بين صورة “الفتنة” و”الخيانة”، سواء في الكتابات العربية أو في الدراسات الاستشراقية.

ولادة وابن زيدون… قراءة خارج الأسطورة الرومانسية
ومن أبرز المحاور التي يتناولها الكتاب إعادة قراءة العلاقة الشهيرة بين ولادة بنت المستكفي والشاعر ابن زيدون. فالمؤلف لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حقيقة تاريخية محسومة، بل يعود إلى المصادر الأساسية ليكشف أن الرواية المتداولة تستند أساسًا إلى صوت ابن زيدون نفسه بوصفه العاشق والراوي في آن واحد.
وتلفت القراءة إلى أن هذا الطرح يهز الصورة الرومانسية المستقرة في الوعي الأدبي العربي، ويفتح الباب أمام التساؤل حول مدى كون هذه القصة بناءً سرديًا ذكوريًا منح الرجل حق رواية الحكاية واحتكار تفسيرها، في حين تحولت ولادة إلى موضوع للشعر والعشق أكثر من كونها ذاتًا فاعلة تمتلك صوتها الخاص.
كما يتصدى الكتاب للتفسيرات التي ربطت استقلالية ولادة وعدم زواجها بشائعات حول ميولها الجنسية، معتبرًا أن مثل هذه الأحكام تعكس استمرار النظرة الأبوية التي تجد صعوبة في تقبل صورة امرأة مستقلة وذات حضور ثقافي وسياسي بارز خارج الأطر التقليدية.
المرأة الأندلسية وأسئلة السلطة الدينية
ولا يتوقف الكتاب عند حدود العلاقات الجندرية، بل يربطها بنقاشات فقهية شهدتها الأندلس قبل نحو ألف عام، تناولت إمكانية نبوة النساء ومكانتهن في المجال الديني.
وترى القراءة أن أهمية هذا الطرح تكمن في إظهار أن الجدل حول المرأة في الأندلس لم يكن محصورًا في حضورها الاجتماعي أو الثقافي، بل امتد إلى قضايا تمس جوهر السلطة الرمزية والدينية. غير أن الكتاب يشير في الوقت نفسه إلى أن هذه النقاشات الفكرية المتقدمة لم تنعكس بصورة كاملة على مشاركة النساء في دوائر القرار السياسي والديني، باستثناء شخصيات محدودة مثل لبنى ومزنة وغيرهما من النساء اللواتي برزن في مجالات الإدارة والكتابة.
قراءة مختلفة لسقوط غرناطة
وفي تناوله لمعاهدة تسليم غرناطة، يطرح اللاذقاني قراءة تتجاوز السرديات الشائعة التي اختزلت سقوط الأندلس في مسؤولية شخصية واحدة، متمثلة بأبي عبد الله الصغير.
ويعتبر الكتاب أن انهيار غرناطة كان نتاج شبكة معقدة من العوامل السياسية والعسكرية والتحالفات الإقليمية، وأن تحويل شخصية بعينها إلى “كبش فداء” أسهم في تبسيط حدث تاريخي بالغ التعقيد.
كما ينتقد المؤلف القراءات التاريخية العربية والإسبانية التي تعاملت مع لحظة السقوط بمعزل عن سياقها التاريخي، ورسخت صورة “الفردوس المفقود” باعتبارها التفسير النهائي للهزيمة، متجاهلة الانقسامات الداخلية والصراعات السياسية التي سبقت تلك اللحظة.
التاريخ بين التوثيق والتأويل
ويمضي الكتاب إلى أبعد من مراجعة الوقائع التاريخية، إذ يطرح تساؤلات حول طبيعة المعرفة التاريخية ذاتها. فعندما يتحدث الراوي عن “اكتشاف” بيت ولادة عبر إشارات شعرية وحدس جمالي، فإنه يزعزع فكرة الموضوعية المطلقة في كتابة التاريخ، ويقترح بديلًا يقوم على تداخل الوثيقة بالتأويل، والنص بالإحساس.
ويتجلى هذا البعد أيضًا في استدعاء مفهوم “الدويندي” لدى الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا، حيث يتحول التاريخ إلى تجربة جمالية ووجودية تتقاطع فيها الذاكرة مع الألم، ويصبح البحث عن المعنى جزءًا من عملية استعادة الماضي.
شخصيات الأندلس خارج القوالب الجاهزة
ويستعيد الكتاب شخصيات أندلسية بارزة، من بينها ابن رشد وابن حزم ولسان الدين بن الخطيب والمعتمد بن عباد، بعيدًا عن الصور النمطية التي تقدمها بوصفها رموزًا مكتملة الدلالة.
فالشخصيات هنا تظهر في تعقيدها الإنساني، بين المعرفة والسلطة والعاطفة، ضمن سياق تاريخي اتسم بالتنافس والصراعات والتحالفات المتغيرة، بما ينسف أي تصور مبسط للأندلس باعتبارها كيانًا موحدًا سياسيًا أو دينيًا.
المؤلف: ثلاثون عامًا من الأسئلة
وفي تعليقه على قراءة الدكتورة أماني الصيفي، أوضح محيي الدين اللاذقاني أن الكتاب هو حصيلة تفاعل فكري امتد لأكثر من ثلاثين عامًا قبل أن يتحول إلى نص مكتوب.
وقال إن معظم القضايا التي تناولتها القراءة النقدية كانت تشغله طوال تلك السنوات، وعلى رأسها مساءلة الحاضر من خلال نصوص الماضي، واستمرار العقليات التي تميل إلى التحريم والتضييق في القضايا المرتبطة بالنساء.
وأشار إلى أن شخصية ولادة بنت المستكفي لفتت انتباهه بوصفها نموذجًا للمرأة القوية والمستقلة، فيما ساعده انحدارها من أسرة حكمت الأندلس لأكثر من 250 عامًا على الربط بين البعدين السياسي والأدبي في تجربتها. كما أسهمت تجربة ابن زيدون السياسية وارتباطه بمراحل مختلفة من عصر ملوك الطوائف في تعميق هذه المقاربة.
وأضاف اللاذقاني أن اهتمامه بمساءلة التاريخ يعود إلى قناعته بأن الروايات التاريخية كثيرًا ما تختلط بالأساطير والأكاذيب، وهو ما دفعه إلى قراءة التاريخ عبر منظورين متكاملين: الأول متأثر بالفلسفة الهيغلية، والثاني مستلهم من أفكار المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي، الذي يرى أن التاريخ لا يتمثل فقط في ما حدث، بل أيضًا في الكيفية التي نروي بها ما حدث.
إعادة التفكير في التاريخ
في مجمله، لا يقدم كتاب «في الطريق إلى بيت ولادة» مجرد استعادة للماضي الأندلسي، بل يطرح مشروعًا فكريًا لإعادة النظر في آليات كتابة التاريخ نفسها. فالكتاب يدعو إلى تجاوز اليقينيات الجاهزة، وإلى التعامل مع التاريخ بوصفه مساحة مفتوحة للأسئلة لا مخزنًا للإجابات النهائية.
وبهذا المعنى، يبدو العمل دفاعًا عن رحلة البحث أكثر من دفاعه عن الوصول إلى الحقيقة النهائية؛ فكما يوحي العنوان، فإن أهمية الطريق لا تقل عن أهمية البيت المنشود، وربما تتفوق عليه أحيانًا، لأن التاريخ، في نهاية المطاف، يظل سؤالًا متجددًا أكثر منه جوابًا مكتملًا.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.