
تشير مذكرة بحثية سرية صادرة عن وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية في مارس/آذار 1989 إلى صورة مفصلة عن أوضاع الجاليات الإيرانية في دول الخليج العربي، مع تركيز خاص على تركيبتها السكانية ومكانتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتعرض الوثائق تمييزًا واضحًا بين الإيرانيين الذين حصلوا على جنسيات دول الخليج وبين العمالة الوافدة، كما تتناول تاريخ هجرتهم ودرجة اندماجهم في المجتمعات المحلية. ولم تقتصر الدراسة على الجوانب السكانية فحسب، بل امتدت إلى تقييم الأهمية الاقتصادية والسياسية لهذه المجموعات، إضافة إلى المخاوف الأمنية المرتبطة بإمكانية استغلال إيران لبعض هذه الجاليات لتحقيق أهداف سياسية أو التأثير في الاستقرار الإقليمي. كما تضمنت المذكرة جداول إحصائية وبيانات تفصيلية حول السياسات الحكومية تجاه المقيمين الإيرانيين، ولا سيما في أعقاب الأحداث السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة في تلك المرحلة. ويبدو أن الهدف الرئيس من هذه الدراسة كان تزويد الدبلوماسيين البريطانيين برؤية استراتيجية شاملة حول التوازنات العرقية والمذهبية في منطقة الخليج العربي.
وفي سياق مناقشة الهويات القومية في إيران، تطرح بعض القراءات النقدية رؤية مغايرة للسردية التي يتبناها القوميون الآريون من الفرس والأكراد، أو ما يُعرف داخل بعض أوساط المعارضة الإيرانية بالتيار العرقي الآري أو «زاجروس نشينان». فبحسب هذه الرؤية، فإن الواقع التاريخي والاجتماعي أكثر تعقيدًا من التصور الذي يحاول جمع شعوب متعددة، مثل اللور والبختياريين والبلوش، ضمن إطار عرقي واحد ومشروع قومي مشترك مع الفرس والأكراد. ويُشار إلى وجود اختلافات تاريخية وثقافية واجتماعية واضحة بين هذه المجموعات، بما يجعل عملية دمجها ضمن هوية قومية موحدة موضع جدل وخلاف.
وقد تمكن الخطاب القومي الفارسي، وكذلك الخطاب القومي الكردي بدرجات متفاوتة، من ترسيخ فكرة مفادها أن اللور والبختياريين يمثلون امتدادًا طبيعيًا للفرس أو للأكراد، وأن الجميع ينتمون إلى أصول عرقية واحدة. وانعكس هذا التصور في بعض الخطابات السياسية والثقافية خلال العقود الماضية. ومع مرور الوقت، وتحديدًا خلال العقد الأخير، امتدت هذه الفكرة إلى بعض الأوساط البلوشية، حيث سعت جهات قومية كردية إلى إقناع بعض النخب والتيارات البلوشية بوجود أصول مشتركة ومصالح سياسية موحدة بين البلوش والأكراد.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الغاية منه تتمثل في بناء مشروع سياسي مشترك يمتد عبر مساحات واسعة من الجغرافيا الإيرانية، غير أن منتقديه يعتبرون أنه يشكل غطاءً لمشروعات توسعية تستهدف مناطق أخرى، ومن بينها الأراضي العربية في الأحواز، بهدف إيجاد منفذ بحري لمشروع قومي كردي في منطقة تفتقر بطبيعتها إلى السواحل البحرية.
وفي مقابل هذه الطروحات، تشير بعض الدراسات والوثائق التاريخية، بما في ذلك تقارير بريطانية تعود إلى أوائل القرن العشرين، إلى أن الروابط التاريخية للبلوش كانت أكثر اتصالًا بالمجال العربي والخليجي من خلال التجارة والتبادل السكاني والعلاقات الاقتصادية والعسكرية. كما أن الوجود البلوشي في دول الخليج العربي يمتد لعقود طويلة، بل لقرون في بعض الحالات، حيث استقرت جاليات بلوشية كبيرة في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة الكويت ودولة قطر والمملكة العربية السعودية. وقد أصبح أفراد هذه الجاليات جزءًا من النسيج الوطني لتلك الدول، وأسهموا في مسارات بنائها وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هذا المنظور، يرى بعض الباحثين أن المصلحة الاستراتيجية للبلوش تكمن في تعزيز علاقاتهم التاريخية والاقتصادية مع محيطهم العربي والخليجي، بدل الانخراط في مشاريع قومية عابرة للحدود تستند إلى فرضيات عرقية أو تاريخية لا تحظى بإجماع أو اتفاق.
وتستحضر بعض الروايات التاريخية العلاقة بين البلوش والأحواز من خلال الإشارة إلى عهد الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، آخر أمراء الأحواز قبل عام 1925، حيث كان من أوائل الحكام الذين اعتمدوا على البلوش في الجوانب الأمنية والإدارية. فقد شارك عدد من البلوش في تشكيلات عسكرية عُرفت باسم «بلوش شاه»، كما تولى بعضهم مهام إدارية ومالية، شملت جباية الضرائب والإشراف على أنشطة اقتصادية مختلفة، خصوصًا في المحمرة ومناطق أخرى من الأحواز. ويُستشهد بهذه الوقائع للدلالة على عمق الروابط التاريخية بين البلوش والأحوازيين، وعلى الثقة التي مُنحت لهم في إدارة الشؤون الاقتصادية والأمنية خلال تلك المرحلة.
ويُعد الوجود البلوشي في سلطنة عُمان من أبرز مكونات التنوع السكاني في البلاد، إذ يتمتع بجذور تاريخية عميقة وحضور اجتماعي راسخ واندماج واسع في المجتمع العُماني. وتشير التقديرات الواردة في المصادر إلى أن عدد البلوش في السلطنة بلغ نحو ستين ألف نسمة عام 1989، ويحمل معظمهم الجنسية العُمانية. ويعود استقرارهم في البلاد إلى قرون طويلة، الأمر الذي جعلهم جزءًا أصيلًا من تركيبتها السكانية والثقافية.
وترتبط أصول نسبة كبيرة من هؤلاء البلوش بمنطقة بلوشستان، وبشكل خاص منطقة غوادر التي ظلت خاضعة للسيادة العُمانية حتى عام 1958. وقد أسهم هذا الارتباط التاريخي في ترسيخ الروابط الاجتماعية والثقافية بين الجانبين. وينتشر البلوش في عدد من المناطق العُمانية المهمة، من بينها ساحل الباطنة ومنطقة الحجر والظاهرة والعاصمة مسقط، إضافة إلى تجمعات بلوشية مستعربة في مناطق أخرى اندمجت في محيطها المحلي مع احتفاظها ببعض الخصائص الثقافية المميزة.
كما يُعرف البلوش بإرثهم العسكري الطويل، حيث أدوا أدوارًا بارزة في القوات المسلحة العُمانية على مدى عقود، وأسهموا في دعم المنظومة الدفاعية والأمنية للسلطنة. وارتبط اسمهم بوحدات عسكرية متخصصة عُرفت باسم «كتائب البلوش»، التي كان لها حضور مهم في مراحل متعددة من تاريخ المؤسسة العسكرية. وإلى جانب دورهم العسكري، شارك البلوش بفاعلية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وأسهموا في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، مما عزز مكانتهم ودورهم في التنمية الوطنية.
أما على الصعيد الديني، فإن غالبية البلوش في عُمان من المسلمين السنة، ويُنظر إليهم بوصفهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني العُماني. كما يتمتعون بدرجة مرتفعة من الاندماج والاستقرار الاجتماعي، مع احتفاظهم ببعض عناصر هويتهم الثقافية والتراثية، ومواصلتهم الإسهام في دعم التنمية والاستقرار والتماسك الاجتماعي.
وتوضح المصادر أن البلوش في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة يشكلون جماعة عرقية سنية ذات حضور تاريخي واجتماعي واقتصادي وعسكري بارز، غير أن أوضاعهم تختلف من دولة إلى أخرى من حيث الوضع القانوني ومستوى الاندماج وعمق الاستقرار. ففي عُمان يتمتع معظمهم بالمواطنة الكاملة والاستقرار التاريخي الممتد لقرون، بينما يرتبط جزء من وجودهم التاريخي بسيادة عُمان السابقة على غوادر حتى عام 1958. وقد أدى هذا الاستقرار الطويل إلى اندماجهم الكامل في المجتمع والدولة، حيث وصل كثير منهم إلى مواقع مهمة في القطاعين العام والخاص، وأسهموا في النشاط التجاري والاقتصادي إلى جانب جماعات أخرى ذات أصول مرتبطة بإيران مثل العجم واللواتيا.
ويبرز دورهم الاقتصادي من خلال مشاركتهم في الأنشطة التجارية والوظائف الحكومية وانتشارهم في مناطق اقتصادية مهمة، بينما يمثل المجال العسكري أحد أبرز مجالات حضورهم المهني. وتضم القوات المسلحة العُمانية ثلاث كتائب تُعرف باسم «كتائب البلوش»، ويخدم فيها أفراد من أصول بلوشية. كما تشير المصادر إلى أن جزءًا من الجنود العاملين في هذه الوحدات يتم استقدامهم من بلوشستان الباكستانية بعقود محددة المدة للعمل كجنود محترفين قبل عودتهم إلى بلادهم بعد انتهاء خدمتهم.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فينقسم البلوش إلى مجموعتين أساسيتين؛ الأولى تمثل قبيلة بلوشية مستعربة استقرت منذ زمن طويل في منطقة العين والبريمي وتحمل الجنسية الإماراتية أو العُمانية، والثانية تضم مهاجرين قدم معظمهم مع بدايات عصر النفط للعمل في مهن بسيطة أو إدارة متاجر صغيرة. وعلى خلاف الحالة العُمانية، لا يحمل الجنسية الإماراتية إلا عدد محدود من البلوش، بينما يحمل معظمهم جوازات سفر إيرانية أو باكستانية، ويقيم بعضهم بصورة غير قانونية. ومع ذلك، يحتفظون بتقاليد عسكرية راسخة، وقد خدم كثير منهم ولا يزالون يخدمون في القوات المسلحة الإماراتية.
وتؤكد المصادر أن مستوى اندماج البلوش في عُمان يفوق نظيره في الإمارات؛ ففي السلطنة يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا أصيلًا من المجتمع والدولة، بينما تبقى شريحة واسعة من البلوش في الإمارات، خصوصًا الوافدين الجدد، ضمن فئة العمالة الوافدة العاملة في المهن البسيطة، مما يجعل أوضاعها أقل استقرارًا نسبيًا. ومع ذلك، فإن البلوش في الدولتين يتشابهون في انتمائهم السني شبه الكامل وفي عدم تأييدهم للنظام الإيراني، كما لا يُنظر إليهم بوصفهم مصدر تهديد سياسي أو أمني. وتكاد الروابط بين بلوش عُمان وإيران تكون معدومة، في حين يحتفظ بعض بلوش الإمارات بروابط قانونية أو إدارية مع إيران بحكم حملهم جوازات سفر إيرانية.
وتكشف المصادر كذلك عن المكانة الخاصة التي تتمتع بها القبيلة البلوشية المستعربة في العين والبريمي، حيث تُعد جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والسياسي المحلي. وقد اندمج أفراد هذه القبيلة اندماجًا كاملًا في المجتمع، ويتمتعون بالجنسية الإماراتية أو العُمانية، الأمر الذي عزز مكانتهم كمواطنين فاعلين. ويرتبط حضورهم التاريخي بدور عسكري بارز، إذ خدم كثير منهم في القوات المسلحة لكل من الإمارات وعُمان، وما زالوا يؤدون أدوارًا مهمة فيها حتى اليوم. ويُنظر إليهم باعتبارهم عنصرًا داعمًا للاستقرار والأمن، كما يمثلون نموذجًا لمجموعات عرقية اندمجت في الهوية الوطنية الخليجية عبر قرون من الاستقرار.
وترتبط هذه المكانة بعلاقة تاريخية قديمة بين البلوش وسلطنة عُمان، إذ كانت منطقة غوادر جزءًا من الأراضي العُمانية لعدة قرون قبل بيعها إلى باكستان عام 1958. وقد ترك هذا الارتباط أثرًا ديموغرافيًا وثقافيًا عميقًا، حيث تعود أصول معظم البلوش الحاصلين على الجنسية العُمانية إلى تلك المنطقة. كما يفسر هذا التاريخ الطويل استقرارهم وانصهارهم الكامل في المجتمع العُماني ضمن إطار الإمبراطورية العُمانية التاريخية التي كانت غوادر جزءًا منها.
وفي المجال العسكري، تحظى كتائب البلوش في الجيش العُماني بأهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها إحدى ركائز منظومة الدفاع والأمن. ويعكس تخصيص ثلاث كتائب كاملة لهذه الفئة حجم حضورها داخل المؤسسة العسكرية. ويستند هذا الدور إلى تقاليد عسكرية متوارثة جعلت من البلوش عناصر قتالية محترفة وذات كفاءة عالية. كما تمثل بلوشستان الباكستانية مصدرًا دائمًا للجنود المحترفين الذين يخدمون في عُمان بموجب عقود محددة المدة، الأمر الذي يتيح للقوات المسلحة الاستفادة المستمرة من خبراتهم الميدانية.
وتوضح المصادر أنه لا يوجد فرق جوهري بين «كتائب البلوش» و«الجنود المتعاقدين»، إذ تتألف هذه الكتائب أساسًا من الجنود القادمين من بلوشستان الباكستانية بعقود خدمة محددة. ويُميز التقرير بين هؤلاء وبين البلوش المواطنين الذين استقروا في عُمان منذ قرون ويحملون الجنسية العُمانية. فالفئة الأولى تأتي لأغراض الخدمة العسكرية المؤقتة، بينما تشكل الفئة الثانية جزءًا من المجتمع العُماني بصورة دائمة.
أما الامتيازات المرتبطة بالبلوش في الجيش العُماني، فلا تتمثل في مزايا مادية محددة بقدر ما تتجسد في المكانة المهنية والاعتراف الرسمي بدورهم التاريخي. ويتضح ذلك من خلال وجود كتائب مستقلة تحمل اسمهم ضمن هيكل القوات المسلحة، إضافة إلى الثقة التي تحظى بها هذه الفئة من قبل السلطات العُمانية بوصفها عنصرًا مستقرًا وموثوقًا داخل منظومة الدفاع والأمن. ويتمتع البلوش المجنسون بكامل حقوق المواطنة العُمانية، بينما يخضع الجنود المتعاقدون لوضع قانوني منظم تحدده عقود الخدمة العسكرية.
وفي المجمل، تكشف هذه المصادر عن حضور بلوشي عميق ومتجذر في منطقة الخليج العربي، ولا سيما في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث لعب البلوش أدوارًا اقتصادية واجتماعية وعسكرية مهمة، وأسهموا بدرجات متفاوتة في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار والأمن. كما تعكس هذه التجربة مسارات مختلفة من الاندماج والمواطنة، مع بروز الحالة العُمانية بوصفها النموذج الأكثر رسوخًا من حيث الاستقرار التاريخي والاندماج الوطني والمشاركة المؤسسية.
وفي ختام هذه الدراسة، تُظهر الوقائع التاريخية والتجارب السياسية والاجتماعية الممتدة عبر القرون الأخيرة أن الشعب البلوشي بنى حضوره واستقراره وازدهاره من خلال الانفتاح والتعايش والتعاون مع محيطه الإقليمي، لا من خلال الانخراط في مشاريع قومية متطرفة أو صراعات قائمة على التفوق العرقي. فقد أثبتت الأحداث أن مصلحة البلوش لم تكن يومًا في معاداة الشعوب العربية أو غيرها من شعوب المنطقة، كما أنها لا تكمن في تبني مشاريع قومية توسعية ذات طابع عنصري، سواء كانت فارسية أم كردية أم أي مشروع آخر يقوم على إقصاء الآخرين أو الادعاء بأحقية تاريخية على حساب حقوق الشعوب الأخرى.
لقد ارتبط البلوش عبر تاريخهم بعلاقات واسعة من التبادل والتعاون مع محيطهم الخليجي والعربي، وأسهموا في بناء الدول والمجتمعات التي استقروا فيها، وشاركوا في مؤسساتها المدنية والعسكرية والاقتصادية، وأصبحوا جزءًا أصيلًا من نسيجها الوطني. ومن ثم، فإن الطريق الأكثر انسجامًا مع التجربة التاريخية البلوشية يتمثل في تعزيز قيم التعايش السلمي والتعاون المشترك والاحترام المتبادل بين الشعوب، والعمل على بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والاستقرار والتنمية، بعيدًا عن النزعات القومية المتشددة والصراعات العرقية التي لم تجلب لشعوب المنطقة سوى الانقسام والتوتر.
إن مستقبل المنطقة، ومصلحة الشعب البلوشي على وجه الخصوص، يكمنان في ترسيخ الشراكة والتفاهم بين مكوناتها المختلفة، واحترام الخصوصيات الثقافية والهويات الوطنية لجميع الشعوب، وبناء جسور التعاون بدلاً من إحياء مشاريع الهيمنة والتوسع التي أثبت التاريخ مرارًا فشلها وعجزها عن تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار المستدام.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.