
مركز دراسات عربستان الأحواز- في خطوة علمية وثقافية جديدة تسهم في توثيق التراث العربي في الساحل الشرقي للخليج العربي، صدر حديثاً عن دار قهوة للنشر والتوزيع كتاب «لسان العرب في الساحل والجزر» للباحث والكاتب الأحوازي الدكتور توفيق النصّاري، وهو عمل لغوي وتاريخي يسلط الضوء على لهجة عرب الساحل والجزر في جنوب إيران، ويعيد قراءة تاريخها اللغوي والاجتماعي من منظور علمي يعتمد على البحث الميداني، والتأصيل اللغوي، والمقارنة التاريخية.
ويأتي هذا الإصدار امتداداً للمشروع البحثي الذي يعمل عليه النصّاري منذ سنوات، والهادف إلى توثيق اللهجات العربية في المناطق الواقعة على الضفة الشرقية للخليج العربي، وإبراز ارتباطها الوثيق باللغة العربية الفصحى، بعد أن سبق له إصدار كتاب «الفصيح الراسب في اللهجة الأهوازية»، الذي لقي اهتماماً لدى المهتمين بالدراسات اللغوية والتراثية.
مشروع لتوثيق هوية لغوية مهددة
لا ينطلق الكتاب من دراسة لغوية تقليدية فحسب، بل يقدم رؤية أشمل تسعى إلى حفظ جزء من الذاكرة الثقافية لعرب الساحل والجزر الذين يعيشون في محافظتي ابوشهر وهرمزغان، حيث يرى المؤلف أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل سجل حيّ للتاريخ، وحافظة للهوية، ومرآة تعكس حياة المجتمع وتطوره الحضاري.
ومن هذا المنطلق، يؤكد النصّاري أن اللهجة العربية المتداولة في تلك المناطق تمثل امتداداً أصيلاً للسان العربي، وأن كثيراً من مفرداتها ما يزال يحتفظ بجذوره الفصيحة، رغم ما تعرضت له من تطورات صوتية ودلالية، أو ما دخل إليها من ألفاظ أجنبية بفعل التبادل التجاري والانفتاح البحري الذي عُرفت به المنطقة عبر القرون.
ويشير المؤلف إلى أن فكرة الكتاب جاءت نتيجة ملاحظة غياب الدراسات المتخصصة التي تعالج لهجة عرب الساحل والجزر بصورة علمية، الأمر الذي دفعه إلى الاعتماد على البحث الميداني المباشر، وجمع المادة اللغوية من أفواه المتحدثين أنفسهم منذ عام 2011، مستنداً إلى مقابلات واتصالات مع أبناء المنطقة، ثم مقارنتها بالمصادر اللغوية العربية القديمة.
قراءة جديدة لتاريخ عرب الساحل والجزر
يتجاوز الكتاب حدود الدراسة اللغوية ليقدم قراءة تاريخية واجتماعية لعرب الساحل والجزر، مبيناً أن الوجود العربي في تلك المناطق يمتد إلى قرون طويلة، وأن محافظتي ابوشهر وهرمزغان كانتا موطناً لقبائل عربية كبيرة لعبت أدواراً مهمة في التجارة والإدارة والعلم والملاحة البحرية.
ويفند المؤلف النظرة التي تختزل سكان الساحل في مسمى “الهولة” وحده، موضحاً أن المجتمع العربي هناك يتكون من طيف واسع من القبائل العربية التي تنحدر من أصول مختلفة في الجزيرة العربية، وأن هذا التنوع القبلي شكّل نسيجاً اجتماعياً وثقافياً غنياً حافظ على حضوره عبر التاريخ.
ومن أبرز القبائل التي يوثقها الكتاب: القواسم المنتمون إلى قبيلة عنزة، وبنو تميم، وآل حرم، وآل نصوري من بني خالد، والعبادلة، وآل علي من سبيع، والأنصار، والمرازيق من العجمان، وكندة، وبنو حماد من جذام، وبنو بشر من آل مرة، وغيرها من القبائل العربية التي استقرت في الساحل وأسهمت في بناء الحياة الاقتصادية والثقافية للمنطقة.
كما يستعرض المؤلف الدور الحضاري لهذه القبائل، وما تركته من إرث في مجالات القيادة والإدارة والعلم والتجارة البحرية، مستنداً إلى مصادر تاريخية، منها كتاب «تاريخ عرب الهولة» للمؤرخ محمد غريب حاتم، الذي يورد شواهد على عمق الوجود العربي في الساحل الشرقي للخليج.
دراسة لغوية متكاملة
قسم النصّاري كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسة، إضافة إلى ملحقين توثيقيين، في بناء علمي يهدف إلى تقديم صورة متكاملة عن لهجة عرب الساحل والجزر.
يفتتح الكتاب بفصل يعالج الخصائص اللغوية العامة للهجة، ويتناول أبرز الظواهر التي تميزها، مثل الإبدال، والقلب المكاني، والنحت، والتطور الدلالي، موضحاً أن هذه الظواهر ليست دليلاً على ضعف اللهجة، بل تمثل قوانين لغوية عرفتها العربية منذ عصورها الأولى، وما تزال آثارها حاضرة في كثير من اللهجات العربية.
أما الفصل الثاني، فيخصصه المؤلف لتأصيل المفردات العامية، حيث يعيد مئات الكلمات المتداولة بين سكان الساحل إلى أصولها العربية الفصحى، مستعيناً بأمهات المعاجم العربية، مثل العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، ولسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، والعباب الزاخر للصغاني، والمجمل لابن فارس، ومختار الصحاح للرازي.
ويبرز هذا الفصل كيف أن كثيراً من الكلمات التي يظنها البعض عامية أو دخيلة ليست سوى ألفاظ عربية أصيلة طرأت عليها تغيرات صوتية أو دلالية نتيجة التطور الطبيعي للغة.
أما الفصل الثالث، فيتناول المفردات الأجنبية التي دخلت اللهجة، ويرجعها إلى ثلاثة مصادر رئيسة هي الفارسية، والإنجليزية، والهندية، موضحاً أن دخول هذه الكلمات كان نتيجة مباشرة لحياة البحر والتجارة والسفر، التي جعلت عرب الساحل على تواصل دائم مع شعوب وثقافات متعددة.
معجم ثلاثي يوثق الروابط بين الساحل والأحواز
ومن أبرز إضافات الكتاب العلمية الملحق الأول، الذي يضم معجماً ثلاثياً يقارن بين مفردات لهجة عرب الساحل والجزر، ونظيراتها في اللهجة الأحوازية، وأصولها في العربية الفصحى.
ويهدف هذا المعجم إلى إبراز الروابط اللغوية العميقة بين البيئتين، وإظهار أن الاختلاف بينهما يقتصر غالباً على بعض الألفاظ المحلية أو المفردات التي فرضتها البيئة، بينما يبقى الأصل العربي الفصيح جامعاً بينهما.
وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة، نظراً إلى خبرة المؤلف السابقة في دراسة اللهجة الأحوازية، الأمر الذي أتاح له إجراء مقارنة علمية دقيقة بين البيئتين اللغويتين.
توثيق الأمثال الشعبية
ولا يقتصر اهتمام النصّاري على المفردات، بل يمتد إلى التراث الشفهي، إذ يضم الكتاب توثيقاً لما يقارب 590 مثلاً شعبياً من أمثال عرب الساحل والجزر، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجمعية للمجتمع، ومرآة تعكس تجارب الناس، وقيمهم، ونظرتهم إلى الحياة.
ويمثل هذا التوثيق إضافة مهمة للمكتبة العربية، خاصة في ظل تراجع تداول كثير من الأمثال الشعبية مع التحولات الاجتماعية والثقافية الحديثة.
أهمية الإصدار
يشكل كتاب «لسان العرب في الساحل والجزر» إضافة نوعية إلى الدراسات العربية المعاصرة، لأنه يجمع بين البحث اللغوي، والتوثيق التاريخي، والعمل الميداني، ويقدم مادة علمية تسهم في حفظ جانب مهم من التراث العربي في الساحل الشرقي للخليج.
كما يعكس الإصدار اهتمام الدكتور توفيق النصّاري بالموروث اللغوي العربي، وسعيه إلى توثيق اللهجات العربية بوصفها امتداداً حياً للفصحى، وحفظها للأجيال القادمة بعيداً عن الاندثار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدراسات التي تربط اللغة بتاريخ المجتمعات وثقافتها.
وبهذا الإصدار يواصل النصّاري مشروعه العلمي في دراسة اللهجات العربية، مقدماً عملاً موسعاً يجمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السلس، ويمنح القارئ نافذة واسعة لفهم تاريخ عرب الساحل والجزر، ولغتهم، وتراثهم، ودورهم الحضاري في منطقة الخليج العربي.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.