
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- بحث وتدوين: حامد الكناني- تكشف وثائق بريطانية تعود إلى عام 1958 عن إشارة لافتة إلى المحمرة والشعب العربي الأحوازي وردت خلال نقاش داخلي مرتبط بأزمة البريمي والعلاقات البريطانية مع السعودية وحكام الخليج. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أنها جاءت على لسان الشيخ عبدالله الجابر، وفق ما سجله مسؤول بريطاني، في سياق انتقاده لمدى تمسك بريطانيا بالتزاماتها تجاه أبوظبي وسلطان مسقط في مواجهة المطالب السعودية.
وترد الوثيقة ضمن الملف البريطاني FO 371/132787 المخصص للنزاع على البريمي والحدود بين أبوظبي والسعودية، والذي يتضمن مراسلات عن المواقف السعودية والبريطانية والخليجية ومحاولات البحث عن تسوية للنزاع.
أظهرت الوثائق أن النقاش بدأ عندما طرح إميل البستاني على المسؤولين البريطانيين فكرة أن موقف حكام الخليج من أزمة البريمي لم يكن بالضرورة متطابقاً مع الموقف البريطاني. فقد أكد أن الاعتقاد بأن حكام الكويت والبحرين وقطر يؤيدون أبوظبي ومسقط ضد السعودية كان، من وجهة نظره، غير صحيح، وأن بعضهم كان أكثر ميلاً إلى الملك سعود وإلى تسوية ترضي السعودية حتى لو اقتضت تنازلات من الطرف الآخر.
وفي لقاء لاحق يوم 8 مارس/آذار 1958، سجل المسؤول البريطاني حديثاً مباشراً مع الشيخ عبدالله الجابر. وبحسب الوثيقة، تحدث الشيخ عن تراجع مكانة بريطانيا لدى قطاعات من العرب بسبب سياساتها السابقة، مشيراً تحديداً إلى فلسطين والسويس، ورأى أن بريطانيا لم تعد قادرة على تجاهل هذه المشاعر، وأن مصالحها تقتضي بناء علاقات أفضل مع الملك سعود، الذي قال إنه يحظى بثقة واحترام حكام في الخليج.
وانتقل النقاش بعد ذلك إلى التزامات بريطانيا تجاه أبوظبي وسلطان مسقط. وأقر الشيخ، وفق المحضر البريطاني، بوجود تلك الالتزامات، لكنه اعترض على أن تصل إلى مستوى الدعم الذي كانت لندن تقدمه لهما في أزمة البريمي. وهنا استحضر سابقة المحمرة لتدعيم حجته.
وتسجل الوثيقة عبارته بالمعنى التالي: كانت لبريطانيا في السابق التزامات مماثلة تجاه شيخ المحمرة، ومع ذلك فإن مصالحها تحققت بالسماح بأن يصبح «مليون عربي في خوزستان تحت الحكم الإيراني».
وهذه العبارة هي أبرز ما تكشفه الوثيقة في ما يتعلق بالمحمرة والأحواز، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة: الوثيقة لا تقدم هذا الرقم باعتباره إحصاءً بريطانياً رسمياً لعدد العرب في المنطقة، ولا تقدم في هذه الصفحات دراسة مستقلة عن الأحواز أو ظروف انتهاء حكم شيخ المحمرة. وإنما تسجل ما قاله الشيخ عبدالله الجابر في سياق سياسي محدد، مستخدماً المحمرة مثالاً تاريخياً لمجادلة المسؤول البريطاني بشأن حدود التزامات لندن تجاه حلفائها المحليين.
وبحسب سياق الحديث، كان الشيخ يريد القول إن بريطانيا سبق أن كانت لديها التزامات تجاه شيخ المحمرة، لكنها عندما رأت أن مصالحها تقتضي مساراً مختلفاً لم تجعل تلك الالتزامات عائقاً دائماً أمام سياستها. ومن ثم كان يستشهد بهذه السابقة ليطرح سؤالاً ضمنياً على البريطانيين: إذا كانت لندن قد فعلت ذلك في المحمرة، فلماذا تعتبر التزاماتها تجاه أبوظبي ومسقط مانعاً من الوصول إلى تسوية مع الملك سعود؟
وتكشف الوثيقة، في الوقت نفسه، أن الشيخ عبدالله كان يدعو إلى صيغة تضمن لبريطانيا الاحتفاظ بعلاقاتها مع حلفائها الخليجيين مع فتح الطريق أمام المصالحة مع السعودية. فقد رأى أن بريطانيا تستطيع الاحتفاظ بحمايتها وعلاقاتها التقليدية في الخليج وفي الوقت نفسه التوصل إلى تفاهم مع الملك سعود.
وتكتسب الإشارة إلى المحمرة أهمية إضافية لأنها تظهر أن مصير شيخ المحمرة والعرب في الأحواز ظل حاضراً في النقاشات السياسية الخليجية بعد عقود من التطورات التي شهدتها المنطقة، إلى درجة أن تجربتهم استُخدمت عام 1958 كسابقة في نقاش مباشر مع مسؤول بريطاني حول طبيعة السياسة البريطانية تجاه الحكام العرب.
كما تكشف العبارة عن الكيفية التي كان أحد محاوري بريطانيا الخليجيين يقرأ بها تلك السابقة: ليس باعتبارها مجرد تحول سياسي داخلي في إيران، وإنما باعتبارها حالة كانت لبريطانيا فيها التزامات تجاه حاكم عربي محلي، ثم انتهت، بحسب التعبير الذي سجله البريطانيون، إلى ترك «مليون عربي في خوزستان» تحت الحكم الإيراني.
غير أن الوثيقة نفسها لا تسمح بالذهاب أبعد من ذلك في إثبات تفاصيل الدور البريطاني في أحداث المحمرة؛ فهي توثق القول وموقعه داخل نقاش عام 1958، ولا تثبت بمفردها صحة كل عناصر الرواية التاريخية التي تضمنها ذلك القول.
وتبرز أهمية المستند تحديداً في أنه يقدم شهادة على الذاكرة السياسية الخليجية للمحمرة: فبعد أكثر من ثلاثة عقود من سلب السيادة العربية في الأحواز، كانت قضيتها لا تزال تُستدعى في حوار سياسي رفيع باعتبارها مثالاً على قدرة بريطانيا على إعادة ترتيب التزاماتها تجاه حلفائها المحليين عندما تتغير حسابات مصالحها.
وبذلك فإن الجملة المتعلقة بـ«مليون عربي في خوزستان» ليست ملاحظة عادية داخل الملف، بل جاءت في صلب حجة سياسية موجهة إلى لندن: سابقة المحمرة استُخدمت لإقناع بريطانيا بأن الالتزامات تجاه الحكام العرب ليست مطلقة، وأن السياسة البريطانية سبق أن قدمت حسابات المصلحة الأوسع على التزاماتها تجاه شيخ المحمرة وشعبه.
ملف الوثائق- بي دي اف
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.