نحو خطاب تاريخي أحوازي رصين في مواجهة الاستعمار الاستيطاني

لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز-حامد الكناني- في القضايا التي يكون فيها التاريخ جزءًا من الصراع على الأرض والهوية والحقوق، لا تبقى الرواية التاريخية شأنًا ثقافيًا محضًا؛ فقد تتحول الرواية غير المدققة، مهما بدت باعثة على الفخر، إلى مادة يستخدمها الآخر للطعن في أصالة شعب كامل وادعاء أنه وافد على وطنه.

ومن هنا تبرز حاجة الشعب العربي الأحوازي إلى خطاب تاريخي رصين وموثّق، بعيد عن المبالغات والأساطير ومنافسات الأنساب.

من الروايات التي تحتاج إلى مراجعة نقدية مقولة «اليمن أصل العرب»، وما ارتبط بها من حكايات تجعل انهيار سد مأرب منطلقًا لهجرات كبرى تنسب إليها قبائل عربية كثيرة أصولها.

لقد ترسخت في كتب الأنساب تقسيمات العرب إلى قحطانيين وعدنانيين، وربط القحطانيين باليمن. وساهم النسّابون والمؤرخون، في تثبيت هذه التصورات حتى اكتسبت مع مرور القرون منزلة الحقيقة لدى العامة. لكن منهج البحث الحديث يفرض التمييز بين رواية النسب والحقيقة التاريخية القابلة للإثبات.

فكتب الأنساب دُوّنت في بيئات كانت العصبيات القبلية والإقليمية حاضرة فيها بقوة، ولا يمكن التعامل مع كل سلسلة نسب وردت فيها باعتبارها سجلًا ديموغرافيًا دقيقًا أو وثيقة تثبت هجرة شعب بأكمله.

كما أن النقوش والآثار واللسانيات التاريخية تقدم صورة أكثر تعقيدًا. فالشواهد الكتابية القديمة في شمال الجزيرة ووسطها، ومنها النقوش الصفائية والثمودية وغيرها، تشير إلى وجود جماعات ولهجات عربية أو قريبة من العربية في مناطق متعددة قبل الإسلام. وفي جنوب الجزيرة قامت بدورها حضارات عظيمة، مثل سبأ ومعين وحِمير، بلغاتها السامية الجنوبية القديمة وتراثها المتميز.

والنتيجة ليست استبدال نظرية «الأصل اليمني» بأصل جغرافي آخر، وإنما إدراك أن العرب، كغيرهم من الشعوب التاريخية، تشكلوا خلال أزمنة طويلة ومن جماعات وأقاليم متعددة. فاليمن جزء عظيم من التاريخ العربي، لكنه لا يحتاج إلى مقولة «أصل جميع العرب» لإثبات مكانته الحضارية.

لماذا تهم هذه المسألة الأحوازيين؟

تكتسب المسألة خطورتها عندما تتحول روايات الأنساب القبلية المغلوطة لدى اكبر قبائل الأحواز إلى مادة تُستخدم للطعن في الوجود التاريخي للعرب هناك.

فمنذ فقدان الحكم العربي المحلي في عشرينيات القرن العشرين، واجه المجتمع العربي الأحوازي تحولات سياسية وسكانية وثقافية عميقة، وظهرت خطابات تحاول تصوير العرب باعتبارهم وافدين متأخرين، وصلوا مع الفتح الإسلامي أو خلال القرون الأخيرة، مقابل منح جماعات أخرى صفة “لسكان الأصليين”.مثل هذه الادعاءات ينبغي مواجهتها بالتاريخ والوثائق، لا بالشعارات.

لكن المشكلة تظهر عندما يقدم بعض الأحوازيين، بحسن نية، الرواية التي يحتاج إليها خصومهم أنفسهم، فيقولون: “نحن جئنا من اليمن بعد انهيار سد مأرب”، ثم تتحول الرواية إلى قصة جماعية تتكرر لدى قبائل متعددة دون سند تاريخي قادر على إثبات هجرة كل هؤلاء السكان.

فإذا كان الخطاب المقابل يقول: “أنتم مهاجرون”، ثم أجبنا: “نعم، ولكننا هاجرنا من اليمن منذ زمن بعيد”، فإننا نكون قد قبلنا أصل الادعاء، واختلفنا فقط حول تاريخ الهجرة.

والسؤال الصحيح ليس: متى جئنا؟ بل: أين الدليل أصلًا على أن المجتمع العربي الأحوازي كله جاء من خارج هذه الأرض في هجرة جماعية واحدة؟

وهنا يجب أن يكون الاحتكام إلى الآثار والوثائق والخرائط والمصادر العربية والفارسية والعثمانية والأوروبية، لا إلى الحكاية الشفوية وحدها.

هجرة الأسرة لا تعني هجرة الشعب

ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين تاريخ الأسرة الحاكمة أو بيت المشيخة وبين تاريخ السكان الذين خضعوا لسلطتها. فقد تنتقل أسرة أو قبيلة إلى منطقة ما، ثم تؤسس فيها سلطة سياسية وتحمل البلاد اسمها، دون أن يعني ذلك أن جميع سكان تلك البلاد هاجروا معها أو ينحدرون منها.

الدولة العثمانية مثلًا حملت اسم الأسرة العثمانية، ولم يكن جميع سكانها من نسل عثمان. والدولة القاجارية لم يكن جميع سكانها قاجاريين. وينبغي تطبيق المنهج نفسه على تاريخ الأحواز.

فعندما تتحدث الوثائق عن «بلاد بني كعب»، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع سكان تلك البلاد ينحدرون بيولوجيًا من جد واحد. فقد يدل الاسم على المجال السياسي الذي حكمته أو سيطرت عليه قوة قبلية أو أسرة حاكمة. وهنا ينبغي التمييز بين تاريخ السلطة وتاريخ السكان.

فإذا ثبت أن أسرة كعبية أو غير كعبية قدمت في مرحلة معينة من منطقة عربية أخرى، فذلك تاريخ تلك الأسرة، وليس دليلًا تلقائيًا على أن المجتمع العربي الذي حكمته وصل معها. إثبات هجرة أسرة لا يثبت هجرة شعب. وهذه قاعدة أساسية ينبغي أن يتبناها الخطاب التاريخي الأحوازي.

الهوية ليست اختبارًا جينيًا

كما ينبغي الابتعاد عن خطاب «نقاء الدم». فالهوية القومية ليست مختبرًا جينيًا، ولا توجد أمة تاريخية كبيرة ظلت آلاف السنين جماعة بيولوجية مغلقة. الشعوب تتشكل من اللغة والثقافة والذاكرة والتاريخ والمجال الجغرافي المشترك، وكذلك من التفاعل والامتزاج والهجرات.

لذلك لا يحتاج الأحوازي إلى إثبات «نقاء جيناته العربية» حتى يثبت عروبته. العربي الأحوازي عربي بلغته وثقافته وذاكرته وانتمائه الاجتماعي والتاريخي، وبانتمائه إلى مجتمع عربي تشكل واستمر على هذه الأرض.

ولا يعني ذلك إنكار الهجرات. فالأحواز وجنوب العراق والخليج والجزيرة العربية كانت فضاءات متصلة تحركت بينها القبائل والأسر والتجار والرعاة عبر القرون وقد تكون بعض الأسر الأحوازية قد قدمت فعلًا من العراق أو الجزيرة العربية أو غيرهما في فترات تاريخية مختلفة، كما انتقلت أسر وقبائل في الاتجاه المعاكس.

لكن وجود هذه الهجرات لا يسمح بتحويل تاريخ أسرة أو قبيلة إلى نظرية عن أصل شعب بأكمله.

من «سد مأرب» إلى الوثيقة

ما يحتاج إليه الأحوازيون اليوم هو الانتقال من ثقافة الحكاية إلى ثقافة التاريخ. بدل أن يبدأ الإنسان حديثه عن تاريخ قبيلته بالقول: «أتينا بعد انهيار سد مأرب»، ينبغي أن يسأل:

أين الوثيقة؟ متى ظهرت هذه الرواية للمرة الأولى؟ هل توجد مصادر معاصرة لها؟ هل تؤيدها الآثار؟ وهل يتحدث المصدر عن أسرة أم قبيلة أم سكان إقليم كامل؟

وهذا ليس عداءً للقبيلة. فالقبائل جزء مهم من التاريخ الاجتماعي للأحواز، وتراثها يستحق الحفظ والدراسة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول روايات الفخر القبلي إلى بديل عن البحث التاريخي، أو عندما تدخل الزعامات في منافسة لإثبات من يملك النسب «الأقدم» و«الأكثر نقاءً».

فالتاريخ الأحوازي أكبر بكثير من مشجرات القبائل.

إنه تاريخ المدن والقرى والأنهار والأراضي والأسواق والموانئ والزراعة والتجارة واللغة والإدارة والمؤسسات السياسية والاجتماعية، إلى جانب تاريخ القبائل والأسر الحاكمة.

المطلوب: مشروع تاريخي أحوازي

إن مواجهة التزييف التاريخي تتطلب تأسيس خطاب أحوازي يقوم على البحث والتوثيق، لا على ردود الفعل. نحتاج إلى جمع الوثائق والخرائط والسجلات التاريخية، ودراسة أسماء المدن والقرى والأنهار، والبحث في الأرشيفات العربية والفارسية والعثمانية والأوروبية، وتوثيق تاريخ الملكية والسكان والمشيخات والعلاقات الاقتصادية والسياسية.

كما ينبغي التعامل مع الرواية الشفوية بوصفها مصدرًا يحتاج إلى المقارنة والتحقيق، لا حقيقة نهائية. وعندما لا نستطيع إثبات رواية ما، ينبغي أن نملك الشجاعة لنقول: لا نعرف. هذه ليست نقطة ضعف؛ بل هي الفارق بين الباحث والداعية. فالخطاب الدعائي يمكن إسقاطه بوثيقة واحدة، بينما الخطاب العلمي الذي يميز بين «المثبت» و«المرجح» و«المروي» أكثر قدرة على الصمود أمام النقد.

الخلاصة

لا يحتاج العربي الأحوازي إلى اختراع رحلة من اليمن حتى يثبت عروبته، ولا إلى الادعاء بأن جميع أجداده عاشوا منذ آلاف السنين في المكان نفسه، ولا إلى إثبات نقاء عرقي متخيّل. ما يحتاج إليه هو تاريخ موثّق.

وإذا كانت عائلة أحوازية قد جاءت من العراق أو الجزيرة العربية أو غيرهما في مرحلة تاريخية معينة، فإن تاريخ تلك العائلة لا يجوز تعميمه على شعب كامل. ولهذا ينبغي التوقف عن تقديم قصة انهيار سد مأرب باعتبارها «شهادة الميلاد الجماعية» للعرب الأحوازيين.

احترام اليمن وحضاراته شيء، والقول بلا دليل إن جميع العرب خرجوا منه شيء آخر. والاعتزاز بالقبيلة شيء، وتحويل مشجرة القبيلة إلى تاريخ لشعب كامل شيء آخر.

إن مواجهة محاولات تزوير تاريخ الأحواز لا تكون بصناعة أسطورة أحوازية مقابلة، وإنما ببناء مدرسة تاريخية أحوازية رصينة يكون سلاحها: الوثيقة، والنقش، والخريطة، والمصدر، والتحقيق العلمي.

فنحن بحاجة إلى خطاب يتجاوز العصبيات القبلية دون أن يلغي القبيلة، ويحترم الموروث دون أن يستسلم له، ويتمسك بالهوية العربية دون أن يحولها إلى نظرية في نقاء الدم. والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الخطاب واضحة:

هجرة أسرة لا تعني هجرة شعب، وتاريخ الزعامة ليس تاريخ السكان، والرواية الموروثة ليست دليلًا حتى تثبتها المصادر. الشعوب أكبر من مشجرات الأنساب، والأوطان أقدم من الزعامات.

ولذلك فإن أفضل دفاع عن تاريخ الأحواز ليس أن نصنع له تاريخًا أكثر إثارة، وإنما أن نبني له تاريخًا أكثر دقة، وأكثر علمًا، وأكثر توثيقًا، وأصعب على التزييف والإنكار.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑