
تفتح رواية ختم خزعل للكاتبة هدى النعيمي نافذة على تاريخ الأحواز وأحداث عام 1925، مستعيدة عبر الأدب صفحات غابت طويلا عن الذاكرة العربية.
في هذا الحوار مع «كل العرب» تتحدث النعيمي عن رحلتها بين التاريخ والخيال، وعن البحث في الذاكرة الأحوازية، وكيف تحولت الوثائق والأحداث إلى عمل رواني يعيد طرح قضية الأحواز أمام القارئ العربي.
بداية نرحب بك على صفحات كل العرب، وبهمنا بهذا الحوار ان نسلط للقراء أضواء على مسيرتك الأدبية و روايتك الأخيرة ختم خزعل.
بعد مسيرة جمعت بين العلم والادب كيف تعرف هدى النعيمي نفسها اليوم بعيدا عن الالقاب ؟
امرأة عربية مسلمة تحمل هماً عربيا كبيرا. اعرف ان هناك الكثيرات مثلي واعرف انني لم اتخلص من هذا الهم الثقيل لذلك احاول التخفيف منه بالدراسة العلمية أولا ثم بالكتابة الادبية، وليتني انجح.
اين تقع «ختم خزعل» في مسيرتك الادبية؟ وما الذي يميزها عن اعمالك السابقة ؟
ختم خزعل رواية للنبش في تاريخ عربي منسي منذ مائة عام للأسف القليل ممن حولنا يعرفون قضية الاحواز عندما تعمقت في البحث عن حقائق التاريخ وما حدث للأحواز عام 1925 وما بعدها، وجدت نفسي افكر في الانسان العربي الذي عاش تلك الاحداث، بدأت كتابة الرواية وانا لا اعلم اين سوف تصل معي الشخصيات واين سوف اصل معها، لكنها كانت تقودني الى مصائرها وكأنها تتكلم معي منذ زمن بعيد مع الكتابة، كان التصفير بين الاحداث الواقعية والشخصيات الافتراضية عملا شاقا ملاحقة تاريخ كل شخصية مع التاريخ، والاحداث في المنطقة، عمل شاق لكنه يستحق العناء فلم ابخل عليه بالوقت والجهد، حتى صارت الكتابة رواية ثم عنونتها بختم خزعل لان الوقائع التاريخية مختومة بختم التاريخ فعلا، واتمنى قراءتها كعمل ادبي مستند إلى التاريخ.
ما أصعب مرحلة واجهتك في البحث قبل كتابة هذه الرواية؟
البحث عن المصادر، فقد كتب الكثير حول الاحواز، وقصص كثيرة تم توثيقها، لكنني اردت ايضا ان اعرف الطبيعة الجغرافية للمنطقة قبل مائة عام والتي تغيرت اليوم، اردت ان اتعرف على العادات والتقاليد والاشعار الشعبية وملابس الرجال والنساء وكذلك وصفات المطبخ الاحوازي، لذا تحدثت الى المؤرخ الاحوازي حامد الكناني، وجلست معه عدة جلسات وكنت حريصة على ان تكون كل معلومة موثقة على الرغم من انني اكتب رواية ولا اكتب تأريخا، لكن للقارئ حق ان يقرأ معلومة كاملة اذا قدمت له مجتمعاً احوازيا لم يكن يعرفه، لذلك كنت اتوقف عن الكتابة احيانا حتى تتضح لي صورة دقيقة لمشهد رواني فأعود للكتابة حتى اكتملت الرواية والحمد لله.
هل اكتشفت خلال البحث حقيقة تاريخية غيرت مسار الرواية؟
لم اكتشف ما غير مسار الرواية، ولكن اكتشف تفاصيل لم أكن اعرفها، ومنه ما يسمى قافلة الموت.. وقد سيق المئات من النساء والرجال والاطفال من قراهم في الاحواز إلى طهران، سيرا على الاقدام.. مات منهم الكثير، ووصل الى طهران البعض، هذه الحادثة ارهقني مجرد معرفتها وتخيل ما حدث مع هؤلاء، رحم الله كل من مات أو قتل منهم، كان لا بد من ادراج هذه الحادثة في الرواية ولم تكن ضمن الخطة العامة للرواية، ارجو ان اكون قد ادرجتها دون اقحام في البناء الروائي.
لماذا اخترت ان يروى جانب من التاريخ من خلال عائلة عزيز ورقية ؟
عزيز و رقية هم شخصياتي، هم من خلقته كشخصيات روائية خاصة بي، ليس لهم اوراق تاريخية، وليس لهم ما يخص تواجدهمالتاريخي سوى هذه الرواية، لذلك فأنا حرة في صناعة الشخصية شخصية انسانية تحمل الخير والشر في وقت واحد، لا اعتبرها طيبة في المطلق او شريرة في المطلق، شخصيات لها اخطاءها ولها ما لها وعليها ما عليها، في حين الشخصية التاريخية اقرأ عنها فقط – مثل خزعل وابنائه. ومهما قرأت لن أكون ملمة بكل التفاصيل حول شخصيته ولا اريد ان اضفي عليه ما ليس فيها من خير او شر، لذا اكتفي بذكر ما ثبت عنه في صفحات التاريخ، ثم اتحرك روائيا من خلال عائلة عزيز ورقيه وابنائهم، وهذا حقي كروائية حق لا ينتزعه مني المؤرخ او صاحب الذاكرة.

هل فرضت عليك الوثائق التاريخية حدودا في الكتابة؟
ليس فرضاً من الخارج، ولكنني باختيار تام ووعي شديد مني فرضت تلك الحدود. فلم اقترب ولم اصنع تاريخا آخر للشخصيات التاريخية مثل الشيخ خزعل وأبنائه، الوثائق التي اطلعت عليه هي التي كانت تشكل البناء العام للرواية، التزمت بها حتى لا اتلاعب بالتاريخ كما حدث كثيرا في بعض الروايات وكما حدث في الدراما التاريخية التي تقدم الينا على الشاشات العربية، حيث يعكس الكاتب رؤيته الخاصة على الشخصية التاريخية ويفرضها على المتلقي، هذا ما لا ارضاه لنفسي.
هل هناك جانب تاريخي رغبت في تناوله ولم تسمح به مساحة الرواية؟
القراءات الكثيرة في موضوع تاريخي، تفتحالشهية للكتابة أكثر، فيصير موضوع الاختيار امرا واجبا، وانا اخترت بعناية تلك الجوانب التاريخية، وحاولت ان ابني راوية وليس كتاب تاريخ، وان اترك للقارئ مساحة البحث عن الحقائق التاريخية إذا اراد ذلك، دون ان اخذ بيده صراحة إلى حيث ذاك التاريخ.
ماذا اضاف الباحث الاحوازي حامد الكناني الى الدقة التاريخية للرواية؟
كما ذكرت الاستاذ حامد مؤرخ أحوازي يحمل الهم العام ويجمع الوثائق والقصص المروية ثم يسجلها في موقع خاص، وتبادل الحديث معه يفتح آفاق وابعاد كثيرة لأحداث الرواية، حتى تلك التي تدور حول الحياة اليومية وتفاصيل العادات والتقاليد ومنها ما هو قائم حتى اليوم، كلها طرحت للمناقشة مع المؤرخ الاحوازي حامد الكناني، وكان من الواجب تقديم الشكر له في نهاية الرواية.
كيف استقبل القراء العرب الرواية؟ وهل كان لردود فعل القراء الاحوازيين خصوصية بالنسبة اليك؟
لقد مر على صدور الرواية 6 شهور فقط حتى اليوم، ما كتب عنها وعن نظرة النقاد لها شيء يسعدني جدا، كتابات نقدية كثيرة حول الرواية، وإشادات من أطراف اكاديمية عدة. وما ازال انتظر وصول الرواية الى القاري العربي داخل العالم العربي وخارجه، لأحكم على ردود الافعال، وهنا تتكلم عن اشكالية توزيع الكتاب العربي! وهذه قضية كبرى، تحاول بعض المؤسسات مثل مؤسسة كل العرب أن تملأ فراغها ولها كل التقدير لما تقوم به، لكن ما نزال بحاجة الى جهود كبيره ليصل الابداع العربي الى شريحة اوسع من القراء العرب.
هل وجدت اختلافا بين ما تقوله المصادر التاريخية وما تحتفظ به الذاكرة الاحوازية؟
الذاكرة الاحوازية كانت تكمل ما حملته لنا المصادر، لا شك ان كتابة التاريخ صعبة وأحيانا متناقضة وتأخذ من زوايا عدة، ولأنني لا اريد الدخول الى المناطق الشائكة او الملتبسة تاريخياً، فقط قدمت في روايتي ما هو مثبت تاريخيا بنسبة كبيرة، وتركت للمخيلة الروائية ان تأخذ الكتابة إلى حيث يريد الروائي وليس الى حيث يريد الباحث.
هل غيرت كتابة الرواية نظرتك الى العلاقة التاريخية بين الاحواز والوطن العربي؟
ليس بهذا المعني و لكن جعلتني اعرف اكثر ان هموم العالم العربي القديمة وانها لا تنحصر في القضية الفلسطينية التي تحمل همها بالطبع، لكننا اغفلنا ذكر التغربية الاحوازية السنوات طوال، وأن لنا – كعرب – ان تعرف وان نقف بجانب الحق الذي لن يصير قديما ولن يسقط بالتقادم كما الحق الفلسطيني، لم تتغير رؤيتي للعالم، لكن توسعت تلك الرؤية المساحة تاريخية اوسع ومساحة جغرافية أكبر، فكله هم عربي، لم تتسع مناهج التاريخ في العالم العربي لضمه او الاشارة اليه، لم اجد اجابة مقنعة حول هذا، لكن تأكدت أن السلطة لها الرأي الأول في ما يقدم في المناهج التعليمية، وعلينا وقد كبرنا وصار العالم بين يدينا في جهاز صغير، علينا ان نبحث عن المعرفة، هذا هو الواجب الذي صار حقا علينا نحو التاريخ.
ما أكثر قراءة نقدية او تعليق من قارئ فاجأك بعد صدور الرواية؟
قارئ من الاحواز زارني في دار العين خلال معرض الكتاب بالدوحة، كان سعيدا بالرواية وطرحها للقضية الاحوازية، ثم جاء بكتاب قديم حول تاريخ ال كعب، لم يكن الكتاب للبيع لكنه اخرج لي الكتاب الذي قال انه يحمل هذا التاريخ بين طياته سوف يسعدني ان اعثر على ذلك الكتاب في يوم ما، وأقتنيه.
ماذا تريدين ان يعرف القارئ العربي عن الاحواز بعد قراءة «ختم خزعل»؟
اريد للقارئ العربي ان يعرف تاريخ منطقته ان يعرف ان حدود المنطقة العربية أكبر مما يعتقد اليوم، اريده ان يعي ان حقا قد سلب من اخوة له قبل مائة عام وانهم ما يزالون يطالبون به فقط اريده ان يعرف، فإن لم يستطع ان يغير هذا الواقع المؤلم، فليغيره بقلبه، فقط لا أكثر.
لو التقيت الشيخ خزعل اليوم، ما اول سؤال ستوجهينه اليه ؟
سؤال صعب .. رحم الله الشيخ خزعل، لكنني سأعيد عليه سؤال (لو) هذا، ويفتح بوابات الألم
يا شيخنا، لو أنك قرأت نوايا الفرس ونوايا بريطانيا التي تبدو لنا اليوم انها كانت واضحة هل كنت ستأمن لهم حتى ابريل 1925 عندما حدث ما حدث ؟ ماذا كنت ستفعل لو أنك عرفت النوايا الخبيئة ؟
هل انتهت رحلتك مع الاحواز بعد ختم خزعل»، ام يمكن ان تعودي اليها في عمل ادبي جديد؟
هذا سؤال يصعب الجواب عنه، لكنني لم اكتب بعد ختم (خزعل) عملا روائياً وهذا بإصرار مني حتى تهدأ الشخصيات ويخف ضجيج التاريخ في داخل رأسي، عندها اكون حرة في انتقاء ما اكتب، ولا اعرف ان كنت سأعود الى خزعل وقد تركت الفصل الرابع عشر مفتوحا على احتمالات عدة ام انني سوف اكتفي بما قدمت حول هذه القضية، في الحقيقة.. لا اعرف.


تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.