
تكشف الصفحات 329–333 من رسالة خطية مطولة مؤرخة في 14 أغسطس/آب 1909، صادرة عن القنصلية البريطانية في المحمرة وموجّهة إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، عن جانب بالغ الأهمية من شبكة العلاقات السياسية والشخصية والاقتصادية التي أحاطت بالشيخ خزعل، أمير المحمرة، والشيخ مبارك الصباح، والسلطات العثمانية في البصرة، والمصالح البريطانية المرتبطة بالنفط، كما تكشف في الوقت نفسه عن الموقع الذي أخذه الحاج رئيس، مستشار الشيخ خزعل، داخل هذه الشبكة، وعن قدرته على نقل المعلومات بين أطرافها وتقديم نفسه للبريطانيين باعتباره وسيطًا لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة المصالح السياسية والتجارية في عربستان.
بدأت الواقعة التي يسجلها التقرير عندما تناول الحاج رئيس وابنه العشاء مع القائم بأعمال القنصل البريطاني في المحمرة مساء يوم 10 أغسطس/آب 1909، قبل أن يتولى القنصل الحديث نيابة عن الشيخ. وخلال اللقاء تحدث الحاج رئيس بصراحة شديدة عن الصعوبات التي واجهها بشأن إتمام الاتفاق الخاص بتأجير الأراضي للإنجليز من أجل تدشين مصفاة شركة النفط الأنجلو-فارسية وتمديد خط الأنابيب عبر أراضي الأخواز، وما أعقب ذلك من توقيع الشيخ خزعل على الاتفاق في الناصرية. ولم يكن الأمر، وفق ما يظهر من التقرير، مجرد صفقة تجارية عادية تتعلق بقطعة أرض أو بحق انتفاع محدود، بل كان جزءًا من تحول استراتيجي أوسع أخذ النفط بسببه يدخل بصورة مباشرة في العلاقات السياسية الداخلية والخارجية لإمارة المحمرة.
وفي أثناء حديثه أخبر الحاج رئيس القنصل بما كان الأخير قد سمع عنه بصورة غامضة من قبل، وهو أن الشيخ مبارك الصباح كان قد وبّخ الشيخ خزعل أمام المجلس القبلي بسبب تأجيره الأرض بثمن اعتبره زهيدًا، مقداره جنيه واحد للفدان، وقال له، وفق الرواية المنقولة، إنه باع الأرض للإنجليز مقابل أربعة روبيات للياردة. ولم يقف الحاج رئيس عند حدود الخلاف بشأن قيمة الأرض، بل وضعه في سياق سياسي أشمل، مؤكدًا أن موقف مبارك طوال إقامته في المحمرة كان معاديًا للإنجليز بصورة واضحة، حتى إنه حذر البريطانيين منه بالقول: «إن قلبه ليس معكم، بل ضدكم».
ولتعزيز هذا التصوير، لفت الحاج رئيس انتباه القنصل إلى الزيارات الودية المتكررة التي كان الشيخ مبارك يقوم بها إلى والي البصرة، وإلى الاجتماع الذي كان قد سبق الإبلاغ عنه بين مبارك وخزعل و[اسم غير واضح في الوثيقة] وطالب النقيب في البصرة. وأكد أن مبارك قدّم هدايا مالية إلى الوالي، وأنه كان، في الواقع، يعمل على توثيق علاقاته بالسلطات العثمانية. لكنه لم يفسر ذلك بوصفه انتقالًا نهائيًا إلى المعسكر العثماني، وإنما وصفه بأنه جزء من «لعب مبارك بالدبلوماسية»، إذ رأى أن مبارك كان يسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع الأتراك لكي يجعل الحكومة البريطانية أكثر حرصًا من أي وقت مضى على صداقته السياسية. ومن هنا عاد الحاج رئيس إلى عبارته الأساسية: «مبارك ضدكم في قلبه؛ إنه يرغب في أن تكون له علاقات وثيقة مع الأتراك، لكنه يخاف منكم، والخوف هو أساس الدبلوماسية في الخليج».
وعندما انتقل الحديث إلى الشيخ خزعل، قدّم الحاج رئيس صورة مختلفة. فقد قال إن خزعل كان دائمًا على علاقات ودية مع السلطات التركية، وإن نفوذ مبارك كان يدفعه في تلك المرحلة إلى الذهاب أبعد في هذا الاتجاه مما كان يفعل في السابق، إلا أنه، بخلاف مبارك، كان يكنّ نفورًا عميقًا من الأتراك، وكان مصممًا على ألا يقوم بشيء من شأنه تقوية قبضتهم عليه أو قطع الروابط التي تشده إلى البريطانيين. ولخص الحاج رئيس هذه المقارنة بقوله عن خزعل: «قلبه معكم أكثر مما هو قلب مبارك معكم»، قبل أن تأتي في أسفل الصفحة عبارة ناقصة أو غير واضحة لا يسمح النص الظاهر باستعادتها بصورة مؤكدة.
لكن النقطة الأكثر أهمية في التقرير تظهر عندما يعود الحاج رئيس إلى واقعة المجلس القبلي وإلى الخلاف حول تأجير الأرض. فعندما عاتب الشيخ مباركُ الشيخ خزعلَ أمام المجلس بسبب ترك الأرض تذهب بهذا الثمن الرخيص، دافع خزعل عن نفسه، بحسب الرواية التي وصلت إلى الحاج رئيس، بالقول إنه لم يكن بوسعه أن يفعل غير ذلك لأن الحاج رئيس قد أجبره على ذلك، وإن الأمر كله كان خطأ الأخير. وبعبارة الوثيقة الإنجليزية، كان خزعل يقول إن «Haji Rais had forced his hand»، وهي عبارة يمكن فهمها سياسيًا بمعنى أن الحاج رئيس ضغط عليه وأجبره على اتخاذ ذلك الموقف.
وقال الحاج رئيس إنه لم يسمع هذه الكلمات مباشرة من خزعل، وإنما نقلها إليه أعضاء المجلس القبلي. وأضاف إلى ذلك تفصيلًا أكثر إثارة، إذ زعم أن أعضاء المجلس أخبروه، أثناء نقلهم ما جرى، بأنهم كانوا يعتمدون على مشورته في مثل هذه المسائل أكثر من اعتمادهم على الشيوخ، وأنهم سيوقعون الاتفاق «من أجله». وهنا تدخل كاتب التقرير البريطاني نفسه بتعليق بالغ الدلالة بين قوسين، فقال: «لا شك في صحة الجزء الأول من هذه القصة، أما الجزء الثاني فأشك فيه». وهذا التعليق مهم؛ لأن المسؤول البريطاني كان مستعدًا لتصديق أن خزعل ألقى مسؤولية الاتفاق على الحاج رئيس، لكنه لم يكن مستعدًا بالدرجة نفسها لتصديق ادعاء الحاج رئيس أن أعضاء المجلس القبلي كانوا يثقون بمشورته أكثر من الشيوخ وأنهم مستعدون إلى تمرير الاتفاق من أجله.
ثم سأل القنصل عن موقف أبناء الشيخ مبارك، فأجاب الحاج رئيس بأنهم كانوا ضد أبيهم وضد سياسته، وأنه، على الرغم من أن الشيخ خزعل كان قد سوّى الخلاف بين مبارك وجابر، فإنه يخشى أن يندلع النزاع بينهما مرة أخرى قريبًا. وأضاف أن جابر كان ميالًا بصورة جيدة إلى الإنجليز ومعاديًا للأتراك من حيث المبدأ، بصرف النظر عن هوية الوالي العثماني في البصرة. وهكذا لم يكن الحاج رئيس يقدم للبريطانيين معلومات عن موقف مبارك وخزعل فحسب، بل كان يرسم أمامهم خريطة للمواقف داخل بيت مبارك نفسه، ويصنف الشخصيات وفق قربها من الإنجليز أو عدائها للأتراك.
وطلب القنصل من الحاج رئيس الالتزام بأشد درجات السرية في هذه المسألة، لأن وصول الأمر إلى خزعل بطريقة تكشف أن البريطانيين أصبحوا يملكون هذه المعلومات كان سيجعله يستنتج فورًا أن الحاج رئيس هو مصدرها، وهو ما كان من شأنه أن يضر بالأخير. وهذه الحساسية في التعامل مع مصدر المعلومات تكشف طبيعة الدور الذي كان الحاج رئيس يؤديه: مستشار داخل محيط الشيخ، ولكنه في الوقت نفسه قناة معلومات للقنصلية البريطانية، الأمر الذي جعل حماية هويته كمصدر جزءًا من حسابات المسؤول البريطاني نفسه.
ومن خلال موقف الحاج رئيس في تلك المناسبة، وبالاستناد إلى أحداث سابقة، خلص كاتب التقرير إلى أن الرجل كان يحمل دافعًا مزدوجًا وراء نقل هذه المعلومات. فمن ناحية أولى، كان يريد للبريطانيين أن يكونوا على علم بما اعتبره تيارًا معاديًا للإنجليز في الرأي العام في الخليج، وهو تيار يمكن، إذا اتسع، أن يؤثر في متانة علاقات خزعل ببريطانيا، وبالتالي أن يؤثر بصورة سلبية في المصالح الشخصية للحاج رئيس نفسه. ومن ناحية ثانية، كان يريد أن يثبت للبريطانيين أن حسن نيته وصداقته أمران ضروريان لمصالحهم السياسية والتجارية.
لكن كيف يمكن التوفيق بين موقع الحاج رئيس مستشارًا للشيخ خزعل وبين نقله أسرار المجالس والمواقف السياسية إلى القنصلية البريطانية؟
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.