
في سبتمبر/أيلول 2026، أفادت معلومات بأن مهدي ناصري، الشاعر والناشط المدني والثقافي العربي، تعرّض للاعتقال على خلفية مشاركته في إنتاج ونشر نشيد ذي طابع حماسي وثقافي بعنوان «من كارون إلى الزيتون»، المعروف أيضًا باسم “النخلة والزيتون”.
وكان العمل قد حصل، بحسب المعلومات المتداولة، على ترخيص مسبق من دائرة الثقافة والإرشاد في الأحواز. إلا أنه، عقب نشره على منصة يوتيوب، أُزيل العمل من المنصة، كما جرى اعتقال مهدي ناصري وعدد من الفنانين الذين شاركوا في إنتاجه.
وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لا تتوافر معلومات دقيقة وموثوقة بشأن التهم الموجهة إلى ناصري، أو مكان احتجازه، أو مصيره القضائي. وتشير معلومات متداولة إلى أن جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني يصر على إحالة قضيته إلى القضاء، وأن الملف نُقل إلى الفرع الثاني عشر من المحكمة الثورية.
خلفية سياسية واجتماعية
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الأحداث والاحتجاجات التي شهدتها إيران، ولا سيما خلال الفترة الأخيرة، وفي ظل الحرب الأخيرة والتطورات المرتبطة بها، والتي حظيت باهتمام دولي واسع.
ومن المهم الإشارة إلى أن الموقف الذي اتخذه جزء من أبناء الشعب العربي في الأحواز تجاه الأحداث لم يكن بالضرورة نابعًا من تأييد النظام الإيراني أو انحيازًا إليه، بل ارتبط، في جانب منه، بالجهات والتيارات التي تصدرت المشهد الاحتجاجي في الخارج.
فقد برز التيار الملكي، بقيادة نجل شاه إيران السابق، باعتباره أحد أبرز التيارات المعارضة في الخارج. ويرى منتقدو هذا التيار، ولا سيما بين قطاعات من العرب في الأحواز، أنه لا يمثل تطلعاتهم، وأن لديهم تحفظات تاريخية وسياسية عميقة تجاه التجربتين البهلويتين الأولى والثانية. ولذلك لم ينخرط قسم من أبناء الشعب العربي الأحوازي في الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران، كما لم يروا في بعض القوى المعارضة في الخارج بديلًا مناسبًا لمطالبهم.
وفي الوقت نفسه، كان من المتوقع أن تؤدي التطورات السياسية والأمنية إلى تخفيف القبضة الأمنية على المجتمع، إلا أن استمرار الاعتقالات، وخصوصًا بحق المثقفين والنشطاء وأصحاب المطالب المدنية، يثير تساؤلات جدية.
وتتعلق هذه المطالب، في جوهرها، بالعيش الكريم والمساواة والعدالة وعدم التمييز، إضافة إلى توفير فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان العرب في الأحواز.
الاعتقالات ومخاوف التصعيد
إن استمرار اعتقال الرموز الثقافية والمدنية، وقمع الاحتجاجات والمطالبات السلمية، يثير تساؤلات حول الجهات التي تقف وراء هذه السياسات، وما إذا كانت هناك عناصر داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية تتصرف بطريقة قد تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى زيادة التوتر بين المجتمع العربي الأحوازي والحكومة المركزية.
إن اعتقال المثقفين والنشطاء، ودفع المحتجين السلميين إلى اليأس أو التصعيد، قد يؤدي إلى خلق مشكلات إضافية للنظام نفسه، خصوصًا في منطقة استراتيجية تحظى باهتمام دولي كبير بسبب موقعها وثرواتها النفطية والغازية، في حين يعاني جزء من سكانها، وفق تقارير وشهادات متداولة، من التهميش والفقر والبطالة.
ومن هنا تبرز تساؤلات حول مدى إدراك صانعي القرار في طهران لحساسية الوضع في الأحواز، وحول ضرورة مراجعة السياسات الأمنية والاجتماعية المتبعة تجاه سكان المنطقة.

دور القوى المحلية وتاريخ العلاقة مع المركز
على مدى عقود طويلة، شهدت العلاقة بين المجتمع العربي الأحوازي والسلطة المركزية في طهران وجود قوى وشرائح محلية لعبت أدوارًا مختلفة في هذه العلاقة.
ويذهب بعض الناشطين والباحثين الأحوازيين إلى أن فئات من غير العرب الذين استقروا في الإقليم خلال مراحل مختلفة أصبحت، في بعض الحالات، جزءًا من البنية الأمنية و الإدارية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بالسلطة المركزية، وأن بعض هذه الفئات اضطلع بأدوار أدت إلى تعميق التوتر بين العرب والسلطة.
ومع مرور الزمن، تغيّرت مواقف بعض هذه الفئات والأجيال اللاحقة منها، إذ ظهرت، مواقف أكثر تعاطفًا مع السكان العرب ورفضًا لسياسات التمييز والتهميش.
لكن هذا الدور انتقل لاحقًا، بصورة أو بأخرى، إلى فئات أخرى من المستوطنين اللور الجدد، فهذه الفئات تسعي إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والإداري، وباستخدام الوشاية والتحريض والضغط على السكان العرب.
وأن الأمر لم يعد مقتصرًا على السيطرة الاقتصادية أو الإدارية، وإنما امتد إلى محاولة بناء روايات وحقوق تاريخية جديدة في مدن ومناطق ذات غالبية عربية، الأمر الذي يعد مساسًا بالتاريخ والوجود العربي في الإقليم.

قضية مهدي ناصري
وفي هذا السياق، تُطرح قضية مهدي ناصري باعتبارها واحدة من الحالات التي يرى ناشطون أنها تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها المثقفون والنشطاء العرب في الأحواز.
وبحسب المعلومات المتداولة، لم يكن نشاط ناصري خارج الإطار القانوني المعلن، ولم يستخدم، في نشاطه، سوى الوسائل الإعلامية والثقافية والكلمة، وبإمكانات محدودة. ولذلك يثير اعتقاله على خلفية عمل فني وثقافي تساؤلات حول حدود حرية التعبير والعمل الثقافي في المنطقة.
في الختام نأمل أن يدرك المسؤولون الإيرانيون خطورة استمرار هذه السياسات، وأن يعملوا على إطلاق سراح مهدي ناصري ورفاقه، إلى جانب مراجعة ملفات المعتقلين الأحوازيين الذين يقول ناشطون إنهم تعرضوا للاعتقال نتيجة وشايات أو اتهامات ملفقة.
كما ندعوا إلى إعادة النظر في قضايا المحتجين والنشطاء الذين لجأوا إلى الاحتجاج السلمي للمطالبة بحقوقهم، مؤكدًا أن المطالب المدنية والحقوقية لا ينبغي أن تُقابل بالقمع أو الاعتقالات.
وفي المحصلة، فإن استمرار الاعتقالات والتضييق على النشاط المدني والثقافي في الأحواز قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين المجتمع العربي الأحوازي والحكومة المركزية في طهران، في وقت تبدو فيه الحاجة أكثر إلحاحًا إلى الحوار، وضمان المساواة، واحترام الحقوق المدنية والثقافية، ومعالجة أسباب التهميش بدلًا من الاكتفاء بالمعالجة الأمنية.
حامد الكناني
مركز دراسات عربستان الأحواز
الأربعاء، 09 أيلول، 2026
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.