
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- بحث وتدوين: حامد الكناني- قد يبدو سقوط شيخ أبو شهر، عند النظر إليه بمعزل عن الأحداث التالية، مجرد أزمة بين حاكم عربي وسلطة مركزية أقوى منه. لكن صاحب الرحلة نفسه لا يترك المسألة في هذا الإطار الضيق. فمع استقرار الإدارة الجديدة وتتابع الحكام، أصبح الانقسام بين العهدين واضحًا في نظر سكان أبو شهر: العهد السابق كان عهد حكم العرب، أما الحكام الجدد فهم فرس. وهذه ليست صياغة حديثة أُسقطت على النص؛ بل هي خلاصة يذكرها المؤلف نفسه في نهاية روايته للأحداث.
بعد دخول محمد خان إلى المدينة، هدأت حالة الذعر الأولى وفتحت الأسواق من جديد، لكن السكان سرعان ما اكتشفوا أن طريقة الحكم الجديدة مختلفة عما اعتادوه.
يقول الرحالة إن الأنظمة التي فرضها الخان كانت بعيدة جدًا عن عادات السكان السابقة إلى درجة أنهم لم يستطيعوا التكيف معها بسهولة. وبدأ عدد من كبار التجار المحترمين التفكير في الرحيل. كما شاهد الأهالي رجال الشرطة يعرضون في الأسواق أدوات الفلقة أو البسطنة المستخدمة في العقوبات القضائية. وكانت المقارنة في أذهانهم مباشرة. فالمصدر يقول صراحة إن السكان كانوا يقارنون هذه القسوة بـالحكم المتسامح لشيخهم العربي السابق. إذن لم يكن الاختلاف بالنسبة إلى المجتمع مجرد اسم الحاكم.
كانوا يقارنون نظامين سياسيين: نظام الشيخ العربي الخليجي الذي ارتبط بالعادات التقليدية للبلاد، ونظام إداري جديد جاء من خلف الجبال المباشرة للمدينة واستند إلى أدوات السلطة والعقوبة المرتبطة بحكومة فارس. ثم أخذ محمد خان، بحسب الرواية، يفرض على كبار السكان تقديم الأموال والبضائع والممتلكات، مما أدى إلى زيادة الغضب تجاه الإدارة الجديدة.
من سيحكم أبو شهر بعد الشيخ؟
لم يكن محمد خان هو الحاكم النهائي.كانت هناك ترتيبات سياسية أخرى تجري في الخلفية. فقد ذكر أن محمد نبي خان، المعروف لدى الإنجليز بصفته السفير الفارسي في كلكتا، حصل على حق تولي حكومة أبو شهر مقابل مبلغ بلغ أربعين ألف تومان. وهذه المعلومة تكشف مقدار التغير الذي أصاب مفهوم السلطة.
في عهد الشيخ نصر وأحفاده، كان الحكم قائمًا على بيت عربي خليجي قديم، وعلى إرث سياسي وقبلي ممتد. أما بعد سقوط الشيخ، فأصبح منصب حكومة أبو شهر يدخل ضمن منظومة التعيينات الصادرة من السلطة الفارسية، ويصبح الوصول إليه مرتبطًا بالبلاط والنفوذ والمال. ثم ظهر محمد جعفر، شقيق الوالي المنتظر.
وكان محمد جعفر قد اعترض في البداية على ممارسات محمد خان، حتى إنه حث السكان على مقاومة المطالب المالية. لكن المفارقة أنه بعد أيام قليلة عُين هو نفسه حاكمًا مؤقتًا إلى حين وصول أخيه. وجرى تنصيبه بتقليده سيفًا شد إلى فخذه. وبمجرد وصوله إلى السلطة أخذ هو الآخر يستخدم الفلقة ويعامل رعاياه بالشدة، وفق رواية صاحب الرحلة. ثم انقلبت عليه السلطة نفسها.
في السابع من نوفمبر قبض عليه الناسكجي باشي وأُلقي في السجن، وقيد إلى الجدار بسلسلة قيل إنها أرسلت من شيراز. ثم تغيرت الظروف مرة أخرى، واستخدم أخوه محمد نبي خان نفوذه، فأطلق سراحه وأعيد إلى الإدارة. إن سرعة هذه الانقلابات الإدارية تكشف الفارق بين النظام القديم والجديد. فالحاكم لم يعد شيخًا يستمد مكانته من البيت الحاكم والقبائل، وإنما أصبح رجلًا يمكن تعيينه وعزله وسجنه ثم إعادته إلى منصبه بأمر يأتي من شيراز.
الفرمان والخلعة: شرعية سياسية جديدة

بلغ هذا التحول صورته الرمزية الواضحة في الرابع من ديسمبر. ففي ذلك اليوم وصلت إلى محمد جعفر خلعة تشريف من الأمير في شيراز، وأعلن عن المناسبة بإطلاق المدافع. خرج الحاكم من المدينة يرافقه كبار القوم وحرسه لاستقبال الخلعة. وحين وصلت، نزل عن حصانه وأدى مراسم التحية، ثم حملت الثياب في موكب رسمي، وارتدى الحاكم ملابسه الجديدة. بعد ذلك قُرئ الفرمان الذي يشرح أسباب تكريمه وتثبيته في موقعه، وتقدم الحاضرون بالتهنئة. قد تبدو هذه التفاصيل مجرد مراسم، لكنها تحمل معنى سياسيًا عميقًا.
فالراية العربية القديمة التي كان رجال الدشتستان يتجمعون حولها عند نداء الشيخ نصر استُبدلت بمنظومة أخرى من الرموز: الفرمان، والخلعة، والمبعوث القادم من شيراز، والمدافع التي تعلن الاعتراف بالحاكم الجديد. مصدر الشرعية تغير.
في الإمارة العربية كان الحكم ينتقل داخل بيت المشيخة ويستند إلى ولاء القبائل والسكان. أما الآن، فالسلطة تأتي من الأمير في شيراز. وهكذا انتقلت السيادة في إمارة أبوشهر من منظومة عربية تقليدية إلى منظومة إدارية فارسية أكثر ارتباطًا بالداخل.
مصير شيخ أبو شهر
أما الشيخ المختطف نفسه فقد اقتيد إلى شيراز. وعندما وصل إلى حضرة الأمير وُجهت إليه سلسلة من الاتهامات، بعضها يصفه صاحب الرحلة بأنه قد يكون حقيقيًا وبعضها مختلقًا.
اشتد غضب الأمير حتى أمر بقطع رأسه فورًا. لكن محمد نبي خان ألقى بنفسه عند قدمي الأمير وتوسل إليه أن يبقي على حياة الشيخ. فقُبل الالتماس جزئيًا، لكن صدر بدلًا منه أمر بسمل عيني الشيخ. فتدخل محمد نبي خان مرة ثانية، وتمكن من إنقاذ عينيه أيضًا. وفي النهاية اكتفى الأمير بإصدار أمر بحبسه. وهكذا انتهى الحاكم العربي الذي كان قبل أسابيع فقط سيد أبو شهر إلى سجين في يد السلطة التي انتزعت منه الحكم.
«إن سادتهم الجدد إنما هم فرس» بعد سرد هذه التطورات يصل المؤلف إلى العبارة التي تمنح الرواية كلها معناها السياسي والقومي العربي. فهو يقول إن الاهتمام الذي كان يمكن أن تثيره التغييرات المتكررة في الحكام أصبح ثانويًا أمام حقيقة أكبر أدركها السكان: إن سادتهم الجدد، في كل تبدل يطرأ على الحكم، إنما هم فرس، وإن عهد حكم العرب قد انتهى.
ويضيف أن هذا الإدراك كان من الطبيعي أن يولد النفور لدى الجماعة العربية تجاه كل من يخلف شيخهم في الحكم. هذه الشهادة شديدة الأهمية. فهي تحسم أن صاحب الرحلة نفسه لم يفهم أحداث سنة ١٨٠٨ باعتبارها مجرد استبدال حاكم بحاكم. لقد اعتبرها انتهاءً لحكم العرب. والأهم أن هذا الإدراك لم يكن خاصًا بالمؤلف؛ إذ ينقل بعد ذلك كلام شيخ عربي مسن يعبر بصورة مباشرة عن مخاوف السكان.
صوت الشيخ العربي
التقى أفراد البعثة شيخًا عربيًا مسنًا كان يصطاد السمك على امتداد الساحل. وأخذ الرجل يتحدث عن الحاكم الجديد باحتقار واستغراب. قال، بمعنى كلامه: من يكون حاكمنا هذا؟ قبل أيام كان تاجرًا في البازار، ثم أصبح حاكمًا، وبعد ذلك أصبح سجينًا مقيدًا بالسلاسل، والآن عاد مرة أخرى حاكمًا علينا؛ فكيف يمكننا أن نحترمه؟
ثم انتقل إلى الحاكم المنتظر. وأشار إلى أنه لم يكن قبل سنوات سوى كاتب فقير. ثم أضاف العبارة التي تكشف جوهر خوفه: «والأسوأ من ذلك أنه فارسي.» ويختم الرجل كلامه بما يمكن اعتباره شهادة معاصرة على تصور عرب أبو شهر لمستقبلهم بعد سقوط الإمارة:
«ومن الواضح الآن أننا نحن العرب سنُدفع إلى الهامش، بينما سينعم الفرس بالازدهار.» هذه الكلمات لم تُكتب بعد قرن أو قرنين من الحادثة. وفق رواية الكتاب، قيلت في زمن التحول نفسه.
كان الشيخ العربي يرى أن سقوط بيت الحكم لن يقف عند حدود السياسة، بل ستكون له نتائج اجتماعية واقتصادية: العرب سيفقدون مكانتهم، والفرس المرتبطون بالنظام الجديد سيزداد نفوذهم.
من سقوط الحكم إلى التغير الاجتماعي
ومن هذه النقطة يمكن الانتقال بحذر من الشهادة المباشرة إلى القراءة التاريخية الأوسع. فأبو شهر كانت قد أصبحت الميناء الرئيسي لفارس. والموانئ الكبرى بطبيعتها تستقطب التجار والموظفين والعمال والوكلاء والقادمين من مناطق مختلفة. وهذا يعني أن البنية السكانية للمدينة لم تكن ساكنة.
لقد جعل الموقع التجاري أبو شهر نقطة جذب، وساعد ذلك على دخول عناصر سكانية جديدة إلى مجتمع كان الحكم والقبائل والبيوتات العربية تشكل مكونات أساسية فيه. لكن التحول السياسي سنة ١٨٠٨ أضاف عاملًا جديدًا.
فلم يعد الوافد الفارسي إلى الميناء مجرد تاجر أو موظف يعيش تحت حكم شيخ عربي، بل أصبحت السلطة السياسية والإدارية نفسها مرتبطة بشيراز , ومن ثم طهران، وأصبح الحكام الذين يرسلون إلى المدينة من الفرس.
وهنا يصبح من الممكن فهم مخاوف الشيخ العربي المسن. فحين تنتقل السلطة إلى جماعة أخرى، تتغير معها شبكات النفوذ والوظائف والجباية والحماية والمصالح التجارية. ومع مرور الزمن يمكن لهذه التغيرات أن تؤثر في التوازن السكاني والاجتماعي للمدينة.
ولهذا يمكن القول إن الموقع التجاري لأبو شهر هيأ البيئة لتحولات ديموغرافية متراكمة، بينما أدى سقوط الحكم العربي وارتباط الإدارة بحكومة فارس إلى منح العناصر الفارسية القادمة أو الموجودة في المدينة سندًا سياسيًا وإداريًا متزايدًا.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد الصراع بالنسبة إلى الأهالي يدور حول شخصية هذا الحاكم أو ذاك، وإنما حول حقيقة أعمق عبر عنها صاحب الرحلة بوضوح: الحكام الجدد فرس، وعهد حكم العرب قد انتهى. وكان العرب أنفسهم يدركون ما يمكن أن يترتب على فقدان السيادة.
فقد اختصر الشيخ العربي المسن مخاوف مجتمعه حين رأى أن العرب بعد سقوط حكمهم سيُدفعون تدريجيًا إلى الهامش، بينما ستزداد مكانة الفرس في ظل النظام السياسي الجديد. ومن ثم فإن تاريخ أبو شهر في هذه المرحلة ليس مجرد قصة مدينة تغير واليها، بل قصة تحول في السيادة: من إمارة عربية خليجية تستند إلى شيخ وقبائل وبيوتات عربية، إلى إدارة مرتبطة بحكومة فارس؛ ومن مجتمع كان العرب فيه أصحاب السلطة السياسية في الإمارة إلى مرحلة جديدة خشي أهل البلاد منذ أيامها الأولى أن تؤدي إلى تقدم العناصر المرتبطة بالحكم الفارسي وتراجع موقع العرب.
وبهذا المعنى كانت سنة ١٨٠٨ نقطة فاصلة في تاريخ أبو شهر: سقط بيت الحكم العربي، وانتُزعت منه السيادة، ودخلت المدينة مرحلة سياسية جديدة تحت حكام فرس، بينما بقيت كلمات الشيخ العربي الذي التقى به الرحالة شهادة معاصرة على الكيفية التي فهم بها أهل البلاد ذلك التحول: نهاية حكمهم وبداية تهميشهم السياسي أمام السلطة الجديدة.
تنويه هام : هذا السرد منقول وموسّع، مع إعادة الصياغة والترتيب التاريخي، عن كتاب: «رحلة عبر بلاد فارس، أرمينيا، وآسيا الصغرى، إلى القسطنطينية، في سنتي ١٨٠٨ و١٨٠٩، وتتضمن سردًا لإجراءات بعثة بريطانية، بقيادة السير هارفورد جونز، البارونيت، إلى البلاط الفارسي».
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.