
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- بحث وتدوين: حامد الكناني- تُشير وثائق وزارة الخارجية البريطانية والمراسلات الدبلوماسية المحفوظة في الأرشيف (وتحديداً مذكرات السير هنري راولينسون والتقارير الدبلوماسية لعام 1843) إلى أن إمارة بني كعب كانت تمثل كياناً سياسياً وعسكرياً مستقلاً تماماً في منطقة شمال الخليج العربي وعربستان، وفرضت سيادتها الفعلية على الأرض والمياه بعيداً عن الهيمنة العثمانية والفارسية لقرابة قرن ونصف.
ويمكن تلخيص مسار استقلال بني كعب وتأسيس كيانها العربي المستقل وفقاً للحقائق التاريخية الواردة في الوثائق فيما يلي:
– النشأة والهجرة إلى الدلتا
اشتهرت بني كعب المعروفة في الوثائق البريطانية باسم Chaab أو Kiab في دلتا نهري الكارون وشط العرب عام 1683 تقريباً.
- في ذلك الوقت، كانت المنطقة التي استقروا فيها عبارة عن أراضٍ ومستنقعات خالية لا تثير اهتمام الدولة العثمانية أو بلاد فارس، مما أتاح لبني كعب فرصة النمو وبناء قوتها الذاتية دون تدخل خارجي مباشر.
- عصر الشيخ سلمان وتأسيس السيادة الفعلية (توفي 1768)
شهد الوضع السياسي لبني كعب تحولاً دراماتيكياً تحت قيادة زعيمهم البارز الشيخ سلمان بن سلطان
تمكن الشيخ سلمان من طرد قبائل أخرى من الدورق وتأسيس موطئ قدم دائم وآمن لبني كعب هناك. ولم يقتصر نفوذه على ذلك، بل قاد حركة تمدد إقليمي واسعة النطاق شملت:
السيطرة على جزيرة الخضر (عبادان).
الاستيلاء على منطقة الدواسر الواقعة على الضفة اليمنى لشط العرب.
السيطرة على الأراضي الواقعة شمال قناة الحفّار، والتي ضمت لاحقاً مناطق المحمرة، والحفّار، وتمر.
وقد انتزع الشيخ سلمان هذه المناطق الاستراتيجية من السلطات العثمانية في البصرة تارة عن طريق الترهيب العسكري والقوة، وتارة أخرى عبر تقديم الرشاوى والتسويات المالية.

- معركة 1765 البحرية والتحرر التام من العثمانيين
أثارت القوة العسكرية المتنامية لبني كعب وسيطرتهم الملاحية ذعر العثمانيين في ولاية البصرة وبغداد. وفي عام 1765، اندلعت مواجهة بحرية كبرى بين أسطول بني كعب والأسطول العثماني. انتهت المعركة بانتصار ساحق لبني كعب بقيادة الشيخ سلمان. ويؤكد الميجور راولينسون في مذكراته التاريخية أن عام 1765 يمثل البداية الفعلية للتحرر الكامل والنهائي لقبييلة كعب من أي تبعية للدولة العثمانية. وحين حاولت بلاد فارس (الدولة الزندية آنذاك) إخضاع الشيخ سلمان لسيطرتها بالقوة، سيرت حملتين عسكريتين ضده، إلا أنهما باءتا بالفشل ولم تحققا أي نجاح يُذكر.
- حقيقة التبعية والالتباس القانوني
توضح التقارير البريطانية لعام 1843 أن ادعاءات الدولتين العظميين (الفارسية والعثمانية) بالسيادة على بني كعب كانت واهية ولا تدعمها الحقائق على الأرض:
حيال الدولة العثمانية: كان من الواضح تاريخياً أن قبائل بني كعب كانت مستقلة تماماً عن تركيا منذ وفاة الشيخ سلمان لقرن كامل. ورغم دفعهم أموالاً لولاية البصرة، إلا أن الوثائق البريطانية توضح أن هذه الأموال كانت “إيجاراً للأراضي الزراعية” في مناطق الحفّار وتمر، وكان بنو كعب يعتبرون أنفسهم بمثابة “مستأجرين أجانب” للأرض وليسوا رعايا خاضعين للدولة العثمانية. وكانت علاقتهم مع العثمانيين تتسم بالعداء المستمر والمواجهات المفتوحة.
حيال بلاد فارس: طورت القبيلة علاقة معقدة مع بلاد فارس؛ إذ أزال الشيخ سلمان مقر حكمه إلى الفلاحية. وبمرور الوقت، تداخلت فكرة دفع الإيجار كـ “مستأجرين للأرض” مع فكرة دفع “الجزية” كرعايا، وهو ما استغلته بلاد فارس لادعاء التبعية. ومع أن بني كعب استخدموا العلم الفارسي في بعض الأوقات، إلا أن الكابتن كيمبال أشار في تقريره لعام 1843 إلى أن هذا الاستخدام ربما كان تعبيراً عن المذهب الديني المشترك (المذهب الشيعي)، وليس اعترافاً بالخضوع السياسي للشاه.
- الاعتراف البريطاني بالاستقلال
تُسجل الوثائق الرسمية لشركة الهند الشرقية البريطانية أن بريطانيا، في جميع تعاملاتها التجارية والسياسية المستمرة مع بني كعب في الخليج العربي، كانت تعامل الامارة ككيان مستقل تماماً، أو تعامل شيوخها باعتبارهم حكاماً مستقلين بحكم الأمر الواقع.
إن بنود معاهدة أرضروم الثانية وكواليسها التاريخية تكشف كيف تحوّلت جغرافية عربستان (الأحواز) والمحمرة إلى ساحة للمساومات الدبلوماسية وصياغة حدود مصطنعة فرضتها المصالح الدولية.

بناءً على الوثائق الدبلوماسية السرية لوزارة الخارجية البريطانية (المحفوظة تحت الرقم IOR/L/PS/18/B380)، نورد أدناه تفصيلاً دقيقاً لأبرز بنود هذه المعاهدة، متبوعاً بالجدول الزمني الموثق الذي يربط نصوص الاتفاقيات بالتقارير السرية والتنازلات الجغرافية من عام 1843 حتى عام 1912.
أولاً: أبرز بنود معاهدة أرضروم الثانية (31 مايو 1847)
صيغت المعاهدة بطلب ووساطة مباشرة من بريطانيا وروسيا لمنع نشوب حرب شاملة بين العثمانيين والفرس. وتتمثل أبرز بنودها الملاحية والحدودية في الجنوب فيما يلي:
- التنازل عن المحمرة وجزيرة الخضر لبلاد فارس: قضت المادة الثانية من المعاهدة بأن تتنازل الدولة العثمانية لبلاد فارس عن مدينة وميناء المحمرة، وجزيرة الخضر (عبادان)، ومكان رسو السفن (المرسى).
- تحديد مرسى المحمرة داخل الحفّار: قُيد التنازل عن المرسى ليكون مقتصراً على المساحة المقابلة للمدينة داخل قناة الحفار فقط، لضمان عدم ادعاء الفرس أي حقوق في مجرى شط العرب الرئيسي.
- السيادة العثمانية الكاملة على شط العرب: بموجب المعاهدة والمفاوضات التي سبقتها، تقرر أن السيادة الكاملة على مياه شط العرب بأكملها تؤول للدولة العثمانية. وحُرمت بلاد فارس من أي ادعاء بالملكية المائية أو الإقليمية على الضفة اليمنى للنهر، وكذلك على الضفة اليسرى باستثناء المحمرة وجزيرة الخضر.
- حرية الملاحة للسفن الفارسية: كضمانة تجارية، منحت المعاهدة السفن الفارسية الحق الكامل في حرية الملاحة دون قيود في شط العرب، من نقطة التقاء الحدود الفارسية بالنهر وحتى مصبه في الخليج العربي.
- المذكرة التفسيرية (26 أبريل 1847) كشرط للتوقيع: رفض العثمانيون توقيع المعاهدة حتى قدم السفراء الوسيطون (البريطاني والروسي) مذكرة تفسيرية رسمية للباب العالي. نصت هذه المذكرة على تضييق نطاق التنازلات الفارسية، ومنع فارس من المطالبة بأي أراضٍ على الضفة اليسرى لشط العرب لمجرد إقامة قبائل تابعة لها هناك. وقد أُجبر المندوب الفارسي لاحقاً على قبول هذه المذكرة قبل تبادل وثائق التصديق عام 1848.
- تبادل الأراضي الشمالية: تخلت بلاد فارس عن جميع ادعاءاتها في مقاطعة السليمانية (لصالح العثمانيين)، مقابل تخلي العثمانيين عن ادعاءاتهم في مقاطعة زهاب الواقعة شرق جبال زاغروس (لصالح الفرس).
ثانياً: الجدول الزمني لترسيم الحدود والتنازلات الجغرافية (1843-1912)
توضح التقارير البريطانية السرية كيف نُفِّذ هذا الترسيم تدريجياً عبر صفقات إقليمية غضّت الطرف عن الحقوق التاريخية لسكان إقليم عربستان وعاصمته المحمرة:
| التاريخ / السنة | الحدث التاريخي والتنازل الجغرافي | الرابط بالتقارير الدبلوماسية والسرية البريطانية |
| 1843 | تفاقم النزاع وتدشين الوساطة | أرسل اللواء وليام مونتيث مذكرات غير منظمة إلى الخارجية البريطانية يحدد فيها خطوط النزاع بين الدولتين. في الوقت نفسه، أكد الميجور هنري راولينسون في مذكراته أن قبائل بني كعب في عربستان مستقلة فعلياً منذ قرن كامل ولا تدين بالولاء المطلق لأي من الطرفين. |
| 1844 | إثبات استقلالية عربستان | أعد السير هنري راولينسون ملاحظات سرية رداً على ادعاءات فارس بتبعية مدينتي المحمرة والفلاحية لها، مفنداً المزاعم الفارسية ومؤكداً الهوية العربية المستقلة للإقليم. وكتب السير ستارتفورد كانينغ (السفير البريطاني في اسطنبول) مؤكداً أن الفرس لم يكن بإمكانهم تاريخياً عبور شط العرب دون دفع رسوم جمركية للعثمانيين. |
| 26 أبريل 1847 | المذكرة التفسيرية الحاسمة | قدم السفراء الوسيطون (بريطانيا وروسيا) المذكرة التفسيرية للباب العالي لتأكيد حصر التنازلات الممنوحة لفارس في أراضي المحمرة الحفار وجزيرة الخضر دون مياه شط العرب. |
| 31 مايو 1847 | توقيع معاهدة أرضروم الثانية | جرى توقيع المعاهدة رسمياً، مدشنة التنازل العثماني عن المحمرة وجزيرة الخضر (عبادان) لفارس، واحتفاظ العثمانيين بالسيادة الكاملة على شط العرب. |
| 21 مارس 1848 | تبادل وثائق التصديق | بعد ممارسة بريطانيا وروسيا لضغوط مكثفة على المندوب الفارسي في القسطنطينية للقبول بشروط “المذكرة التفسيرية” لعام 1847، تم تبادل وثائق التصديق رسمياً ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ الجغرافي. |
| 1849 – 1850 | خط المفوضين الوسيطين المجحف | رسم الكولونيل ويليامز خريطة الحدود عام 1849. وفي عام 1850، اعتمد المفوضون الوسيطون خطاً حدودياً يمتد على طول الضفة اليسرى (الفارسية) لشط العرب بدلاً من منتصف المجرى المائي. هذا الترسيم تسبب في حرمان إمارة المحمرة من حقوقها المائية، كما قام الخط بتقسيم أراضي قبائل بني كعب، ووضع قصر الشيخ ومقر حكمه في “الفيلية” ضمن الحدود العثمانية آنذاك. |
| 1869 | الاتفاقية المؤقتة للوضع الراهن | وقعت الدولتان العثمانية والفارسية اتفاقية مؤقتة للحفاظ على “الوضع الراهن” (Status Quo) الذي رسمته لجنة الحدود الرباعية، وتجنب أي استحداث لمنشآت عسكرية أو جمركية على طول الخط المتنازع عليه. |
| نوفمبر 1899 | بداية الضمانات البريطانية السرية | زار السير دوراند (الوزير البريطاني في طهران) نهر الكارون والتقى بشيخ المحمرة (الشيخ خزعل)، مقدماً له أولى الضمانات البريطانية السرية لحماية أراضيه في حال حدوث تفكك لبلاد فارس، وذلك لتأمين مصالح بريطانيا الملاحية. |
| 7 ديسمبر 1902 | الضمانة البريطانية الرسمية ضد الهجوم البحري | وجه السير أرثر هاردينغ (الوزير البريطاني في طهران) رسالة سرية ورسمية إلى شيخ المحمرة تتعهد فيها الحكومة البريطانية بـحماية المحمرة ضد أي هجوم بحري من قبل أي قوة أجنبية، شريطة استمراره في الإخلاص للشاه والعمل بنصيحة بريطانيا. |
| 24 ديسمبر 1903 | تأكيد الضمانات وتأمين النفط | التقى هاردينغ بالشيخ في بغداد وبعث له برسالة تأكيدية تضمن استمرار الدعم البريطاني لإمارة المحمرة وحماية حقوقها الوراثية لتسهيل السيطرة الجمركية وتأمين الامتيازات النفطية والتجارية الناشئة في الكارون وعربستان. |
| 1 ديسمبر 1908 | تمديد الحماية للمحمرة وعشائرها | بعث الميجور بيرسي كوكس (المقيم البريطاني في الخليج) بمذكرة رسمية تؤكد وتمدد الضمانات البريطانية الممنوحة عام 1902 إلى الشيخ وخلفائه، وتعد بالدفاع عن حقوق عشيرته في مواجهة أي محاولة اعتداء من دول الجوار أو حكومة طهران. |
| 26 مايو 1909 | تقارير جهل الحدود في الحويزة | كتب الملازم أول ويلسون تقريراً سرياً أكد فيه أن “غياب المعرفة الجغرافية الدقيقة” يجعل من المستحيل تحديد حدود الحويزة بيقين. وأشار إلى أن خط المفوضين لعام 1850 شطر أراضي قبائل بني طرف العربية ووضع جزءاً منها في الأراضي العثمانية قسراً. |
| 9 سبتمبر 1909 | الاعتراف البريطاني بالإجحاف بحق الشيخ | بعث الملازم ويلسون بتقرير ينتقد فيه بشدة “خط المفوضين لعام 1850″، مؤكداً أنه صُمم “بشكل مجحف للغاية وبشكل غير منصف لشيخ المحمرة”، حيث وضع قصره ومقر حكمه في الفيلية والسجون والمحاكم التابعة له ضمن نطاق الحدود العثمانية. وطالب ويلسون بضرورة تعديل الخط بمقدار 25 ميلاً غرباً لحماية أراضي الري والقبائل التابعة لعربستان. |
| ديسمبر 1911 | بروتوكول طهران وقرب الترسيم النهائي | وقعت تركيا وفارس بروتوكولاً مشتركاً لحل الخلافات الحدودية بناءً على مخرجات اللجان السابقة. |
| 3 أبريل 1912 | مذكرة ألوين باركر الاستراتيجية | أعد ألوين باركر مذكرته السرية الشاملة لوزارة الخارجية البريطانية. وأوصت المذكرة بتبني خط عام 1850 كإطار عام للتفاوض، ولكن مع المطالبة بتعديل الخط عند منطقة الفيلية بمقدار 6.25 ميلاً بحرياً ليشمل قصر الشيخ الفيلية وممتلكاته داخل الحدود الفارسية، ليس دفاعاً عن استقلال الأحواز، بل لتأمين مصالح بريطانيا النفطية والتجارية وحليفها المحلي. |

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.