الأحواز في كتب الرحالة والمستشرقين (1)-/ بحث وتدوين: حامد الكناني

صورة رمزية لاستقبال امير بني كعب للسير لويس بيلي عام 1863 في الفلاحية.

المقالة السادسة: جولة حديثة حول الجزء الشمالي من الخليج العربي، بقلم المقدم لويس بيلي، مقدمة من الحكومة، قُرئت أمام الجمعية في 17 سبتمبر 1863

تحركتُ على متن باخرة البريد متجهًا إلى البصرة، وبعد النزول فيها تابعت طريقي عبر الزبير متجهًا جنوبًا خلال الصحراء، حتى بلغت ساحل البحر عند الزاوية الجنوبية الشرقية من خليج الكويت، وذلك وفقًا لما كنت قد اقترحته في كتابي رقم 2، الموجه إلى الإدارة السرية والمؤرخ في 24 فبراير 1863.

أمضيت ثلاثة أيام في ضيافة شيخ الكويت، الذي استقبلني بما يليق. ومن الكويت واصلت رحلتي على متن سفينة شراعية من نوع البغلة إلى جزيرة ماچان الصغيرة، ومنها أخذنا نشق طريقنا صعودًا في القناة، مارّين بين جزيرة بوبيان والبر الرئيسي، ثم دخلنا خورًا يقع إلى الشمال، وواصلنا السير فيه حتى نزلت في ميناء الزبير، الذي لا يبعد سوى نحو 12 ميلًا عن البصرة. ووجدت أن عرض القناة يتراوح بين ميل وميلين، بينما تراوحت أعماق المياه على امتدادها بين 5 و8 قامات بحرية، ووصلت في بعض المواضع إلى 10 قامات.

وفي ميناء الزبير رست البغلة بمحاذاة الضفة مباشرة، وكان عمق المياه عند جانبها الخارجي يتراوح بين 4 و5 قامات بحرية. وبعد نزولي إلى البر في ميناء الزبير، تتبعت مجرى قناة قديمة حتى وصلت إلى أطلال العشونية، الواقعة على مسافة تزيد قليلًا على ميل واحد إلى الشرق من حصن الزبير القائم آنذاك.

وكانت هناك عدة قنوات ضيقة يمكن ملاحظتها وهي تمتد في اتجاه البصرة، وكانت إحداها على وجه الخصوص واضحة المعالم. وقيل لي إنه عند ارتفاع المد تستطيع الزوارق مغادرة شط العرب من نقطة تقع على مسافة 3 أو 4 أميال أسفل البصرة، ثم تسير عبر تلك المجاري حتى تخرج عند ميناء الزبير.

غادرت أطلال العشونية واتجهت شرقًا مع ميل قليل نحو الجنوب، عابرًا سهلًا تقطعه في جميع الاتجاهات مئات السدود والحواجز الترابية، وكانت تظهر عليه جميع العلامات الدالة على أنه كان في الماضي سهلًا غنيًا، خضع لزراعة واسعة ودقيقة العناية.

وعندما بلغت شط العرب عند زين، قبالة المحمرة، عبرت النهر في زورق، ثم واصلت السير بمحاذاة بهمشير، وبعد ذلك انعطفت نحو الشمال الشرقي وصعدت مسافة قصيرة في الحفار باتجاه نهر كارون. ومن هناك تركت المجرى الرئيسي، وأخذنا نتتبع مجرى مائيًا ونسحب الزورق خلاله وسط مساحة هائلة من الأراضي المغمورة بالمياه، حتى وصلت إلى الدورق، وهي البلدة الرئيسية لـبني كعب.

والواقع أن كامل مساحة البلاد المحصورة بين نهر كارون من الشمال، والدورق وميناء معشور من الشرق والجنوب الشرقي، والحفار وبهمشير من الغرب، كانت تشكل رقعة واحدة متصلة من المياه أو المستنقعات.

وقد استقبلني شيخ الدورق بما يليق. ومن الدورق واصلت السير صعودًا بمحاذاة القناة العريضة التي تمر عبر البلدة لمسافة تقارب 6 أميال، حتى وصلت إلى مجموعة من الأهوسة أو بوابات تنظيم المياه المتصلة بـنهر الجراحي، والتي كانت تسمح بتدفق كمية من مياهه إلى القناة.

وكان نهر الجراحي مجرى مائيًا جيدًا وغزيرًا، يخرج من الجبال في اتجاه رامز، ومن فتحة أخرى بين التلال، ثم يجري، في ذلك الجزء من مساره الذي شاهدته، بتيار هادئ حاملًا طميًا جيدًا، ويبلغ عمق المجرى الأوسط منه نحو 8 أقدام، إلى أن يصل إلى البحر عند البوزية.

وقد سرت بمحاذاة هذا النهر لمسافة ربما بلغت 6 أميال، ولاحظت خلال هذه المسافة أنه يُخرج من ضفته اليمنى سبعة أو ثمانية فروع كبيرة. وكانت هذه الفروع قد خضعت لبعض أعمال التحسين، ثم أخذت مياهها تتدفق في اتجاه كارون والحفار، موفرة المياه لمزارع واسعة ومساحات كبيرة مخصصة لزراعة الأرز، قبل أن تسهم في تغذية المستنقع الهائل الذي سبقت الإشارة إليه.

وعلى مسافة أدنى قليلًا من النقطة التي وصلت عندها إلى نهر الجراحي، يمر النهر بموضع يسمى الصبيّة، وهناك تتفرع منه مجارٍ أخرى. ولا تبعد الصبيّة عن الدورق سوى فرسخ واحد، وكانت التجارة تُنقل بين الموضعين برًا ذهابًا وإيابًا، ثم تُشحن البضائع في سفن محلية متوسطة الحجم صالحة للإبحار في البحر.

وكان الجزء من نهر الجراحي الذي سرت بمحاذاته يشبه إلى حد بعيد نهر التايمز عند ريتشموند، غير أن ضفافه كانت تحف بها أشجار النخيل بصورة غير منتظمة، وكانت مياهه في بعض المواضع تعج بالسلاحف.

وبعد النزول إلى البر بالقرب من مكان يسمى الجنجيّة، سرت عبر منطقة تتخللها القنوات وكانت بعض أجزائها مغمورة بالمياه، حتى وصلت إلى نهر الخاطر، ومنه تابعت المسير إلى ميناء معشور، ثم إلى هنديان، حيث يلتقي بالبحر النهر الكبير الذي يحمل الاسم نفسه، وهو نهر لا يمكن اجتيازه خوضًا.

وبعد عبور نهر هنديان، تابعت المسير إلى شاه أبو الشاه، وهي القرية الحدودية الواقعة بين بلاد بني كعب والمناطق الخاضعة مباشرة للحكومة الفارسية في ابوشهر.

ومن نهر الخاطر حتى نقطة تقع إلى الشمال قليلًا من شاه أبو الشاه، وجدت البلاد عبارة عن سهل عشبي واحد متصل دون انقطاع، وهو، باختصار، من أروع السهول التي أذكر أنني رأيتها على الإطلاق. فهذا السهل العظيم، الممتد من هنديان جنوبًا ومن التلال الواقعة غربًا، ينحدر انحدارًا يكاد لا يُلحظ نحو منظومة الأنهار التي سبقت الإشارة إليها؛ وكانت مدينة الدورق والقرى الواقعة بينها وبين تلك الجهات وميناء معشور تمثل نقاطًا على خط منحنٍ تهبط عنده الأرض العشبية لتتحول إلى مستنقعات أو أراضٍ مغمورة بالمياه.

ومن شاه أبو الشاه تابعت رحلتي مارًّا بـميناء ديلم، وحسّار، وجناوة، حتى وصلت إلى ميناء ريغ.

وكانت منطقة جناوة قديمة العهد، وتنتشر فيها آثار مدن شاسعة، كما كان سهلها غني التربة. ويمر مجرى نهر قديم، أصبح آنذاك خورًا ذا مياه مالحة، بمحاذاة الأسوار الجنوبية مباشرة لأطلال مدينة جرامها القديمة، وكان هذا المجرى يسمى كليل. وكان في الماضي نهرًا من المياه العذبة، وكان السهل المحاذي له مزروعًا بكامله. غير أن زلزالًا سد مجرى النهر بالقرب من منبعه وحوّل اتجاهه نحو خط هنديان وإلى مواضع أخرى، وكان ذلك، في جانب منه، سبب حالة الخراب القائمة في المنطقة.

ومن ميناء ريغ انتقلت عبر مناطق الرُحيلّة، ثم واصلت السير ملتفًا حول خور ابوشهر.

وفي ختام هذه الرحلة، أرفق طيه ـ كما يقول المقدم لويس بيلي ـ يومية مهمة لمسار الرحلة تفضل الدكتور كولفيل بتزويدي بها. كما أنني أرسل، بكل احترام، إلى حضرة وليام إدوارد فرير العينات النباتية وبعض الأشياء النادرة والمثيرة للاهتمام التي جُمعت في أثناء الطريق. وقد قدم لي الدكتور كولفيل قدرًا كبيرًا من المساعدة العامة خلال الرحلة، وأظهر أنه ضابط حريص على الاهتمام بكل ما يدور حوله. وكانت مساعدته للفقراء ذات فائدة حقيقية للسكان، وقد لاقت منهم التقدير. وكان المرضى، وكذلك المتوهمون المرض، يتوافدون يوميًا على الدكتور كولفيل.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑