
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- في أمسية جميلة احتضنتها باريس يوم السبت الماضي، جمعت الكاتبة القطرية الدكتورة هدى النعيمي نخبة من الأصدقاء والمثقفين والإعلاميين من الوسط الثقافي العربي، وذلك بمبادرة كريمة من اتحاد الصحفيين العرب. وقد شكّلت الأمسية مناسبة للاحتفاء بتجربتها الروائية، والاستماع بشغف إلى حديثها حول روايتها الأخيرة «ختم خزعل»، العمل الذي لا يكتفي بكونه تجربة أدبية، بل يسعى إلى استعادة ذاكرة تاريخية وإنسانية مرتبطة بالأحواز، وإعادة طرح سؤال ظل مؤجلاً لعقود طويلة: ماذا يحدث لشعب حين يُنتزع من جغرافيته السياسية، ثم يبدأ الزمن نفسه في محو حكايته من الذاكرة؟
وقدّم الدكتورة هدى النعيمي وروايتها للحضور الأستاذ علي المرعبي، رئيس اتحاد الصحفيين العرب ورئيس تحرير صحيفة «كل العرب» الصادرة من باريس، فيما أدارت الحوار الإعلامية الجميلة فايزة مصطفى (Faiza Mostafa). وكانت الأمسية فرصة ثرية للنقاش حول الرواية وما تفتحه من نوافذ على التاريخ والذاكرة والإنسان، وسط اهتمام وشغف من الحضور الذين تابعوا حديث الكاتبة وتجربتها في مقاربة قضية ظلت طويلاً بعيدة عن الضوء.
من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم «ختم خزعل». فالرواية تعود إلى عام 1925، العام الذي تصفه الكاتبة باعتباره لحظة مفصلية ومأساوية في تاريخ الأحواز، حين انتهت مرحلة حكم الشيخ خزعل الكعبي، وبدأت مرحلة جديدة من السيطرة ومحاولات طمس الهوية العربية. ولم تتوقف آثار ذلك الحدث عند حدود السياسة والجغرافيا، بل امتدت إلى حياة الناس وعائلاتهم وأسمائهم وذاكرتهم، ثم انتقلت آثارها من جيل إلى جيل في صورة نزوح وتشتت واغتراب.
لكن السؤال الأهم يظل قائماً: كيف وصلت هدى النعيمي، وهي القادمة من عالم الفيزياء النووية، إلى هذه القضية التاريخية؟
لم تبدأ الحكاية من كتاب تاريخ، ولا من مشروع أدبي مخطط له منذ سنوات، وإنما بدأت من مشهد بسيط للغاية، مشهد يبدو في ظاهره عادياً، لكنه تحوّل في حياة الكاتبة إلى شرارة أدبية ومعرفية. كان في بيت أسرتها في قطر نخيلتان زرعهما والدها الراحل. رحل الأب قبل أن يرى ثمارهما أو يقطف منهما شيئاً، وظلت النخلتان تحملان بالنسبة إلى ابنته معنى خاصاً يرتبط بالذاكرة والأبوة والزمن. حتى إن هدى النعيمي اختارت لاحقاً عنوان «عندما يبوح النخيل» لسيرتها الذاتية، في إشارة إلى المكانة الوجدانية التي احتلها النخيل في تجربتها.
وفي أحد مواسم رعاية النخيل، استعانت الكاتبة بعامل للمساعدة في العناية بالنخلتين. وبينما كان يؤدي عمله، دار بينهما حديث عابر. سألته بعفوية عن موطنه، فجاءت الإجابة التي ستغير مسار تلك اللحظة العابرة: «إحنا من الأحواز.. ادعي لنا».
كانت العبارة قصيرة، لكنها لم تكن عابرة بالنسبة إلى الكاتبة. حملت نبرة حزن جعلتها تتوقف أمامها، وكأنها اكتشفت فجأة أن وراء الكلمة بلداً وحكاية وشعباً ومأساة لا تعرف عنها شيئاً. وهنا بدأت رحلة البحث.
عادت هدى النعيمي إلى هاتفها، وبدأت تبحث عن الأحواز وتقرأ ما تصل إليه من معلومات ووثائق. ومع اتساع دائرة البحث، اتسعت معها دهشتها. كانت أمام تاريخ قريب نسبياً؛ تاريخ لا تفصلنا عنه إلا نحو مئة سنة، ومع ذلك وجدت أن القضية غائبة إلى حد كبير عن الوعي العربي، وأنها لا تحضر بصورة واضحة في المناهج الدراسية والجامعية، بينما تختزل أحياناً في معلومات عابرة وغير دقيقة.
تحولت الدهشة إلى شعور بالمرارة، ثم إلى غضب من هذا الصمت. وإذا كانت القضية الفلسطينية قد أنتجت، عبر عقود طويلة، ما يمكن تسميته بـ«التغريبة الفلسطينية» في الأدب والدراما والوعي الجمعي، فإن الكاتبة رأت أن هناك تغريبة أخرى لا تقل قسوة، لكنها بقيت شبه مجهولة: التغريبة الأحوازية.
ومن هنا لم يعد البحث بالنسبة إليها مجرد فضول معرفي. بدأت القضية تتحول إلى مسؤولية إنسانية وأدبية. كانت ترى أن اختفاء قضية شعب من الذاكرة لا يقل خطورة عن اختفائه من الخارطة السياسية، وأن الأدب يستطيع أحياناً أن يفعل ما تعجز عنه الوثيقة المجردة: أن يجعل الإنسان يرى التاريخ من خلال حياة أشخاص، وأن يحوّل الأرقام والتواريخ إلى وجوه وبيوت وذكريات ومصائر.
وهكذا بدأت تتشكل رواية «ختم خزعل».
ولم تعتمد الكاتبة على الخيال وحده. فقد انطلقت في رحلة بحث واسعة، عادت خلالها إلى الوثائق البريطانية التاريخية، واستفادت من الكتب والسير الذاتية والمراجع التي تناولت تاريخ المنطقة. كما التقت في لندن بالباحث الأحوازي حامد الكناني، واستمعت إليه وهو يتحدث بشغف شديد عن القضية. كانت تدون خلفه التفاصيل في دفتر صغير، وتحاول أن تستوعب ليس فقط الوقائع، وإنما أيضاً الإحساس الإنساني الكامن وراءها.
كان الكناني، كما تصفه الكاتبة، «محروقاً بالقضية»، أي أن الحديث عنها بالنسبة إليه لم يكن حديثاً أكاديمياً بارداً، بل تجربة حياة وذاكرة ووجعاً متراكماً. ومن ذلك اللقاء بدأت تتبلور في مخيلة الكاتبة شخصية «الشيخ عزيز»، الشخصية الروائية الافتراضية التي أصبحت محوراً لبناء الحكاية.
بدلاً من أن تكتب الكاتبة تاريخاً مباشراً عن الشيخ خزعل وحده، اختارت أن تنقل التاريخ إلى فضاء روائي أوسع. خلقت عائلة افتراضية، ثم جعلت هذه العائلة تعيش نتائج الحدث التاريخي عبر أجيالها المختلفة. وهكذا أصبح التاريخ الكبير مرئياً من خلال التاريخ الصغير للعائلة: الأبناء الذين تفرقوا، والأحفاد الذين وجدوا أنفسهم في بلدان مختلفة، والذاكرة التي تنتقل من شخص إلى آخر ومن جيل إلى آخر.
هنا تظهر فكرة «التغريبة» في الرواية بأوضح صورها.
عام 1925 لم يكن بالنسبة إلى الشخصيات مجرد تاريخ مدون في كتاب، وإنما لحظة اقتلاع. كان اعتقال الشيخ خزعل الكعبي واقتياده إلى طهران، بحسب المادة التي اعتمدت عليها الرواية، نقطة تحول كبرى. ومع سقوط الإمارة بدأت مرحلة جديدة اتسمت بالتشتت والنزوح ومحاولات طمس الهوية العربية. تفرقت العائلات، وانتقل أبناؤها وأحفادها إلى أماكن مختلفة، من الخليج والعراق إلى لندن وغيرها من مدن الاغتراب.
وفي الداخل، لم يكن البقاء يعني النجاة من آثار المأساة. فالرواية تتحدث عن محاولات محو مظاهر الهوية العربية، من الملابس والأسماء والصفات إلى رموز الحياة اليومية. أما في الخارج، فقد ظهرت مشكلة أخرى: مشكلة الانتماء والتوثيق والهوية القانونية، التي تجسدها الرواية من خلال بعض الشخصيات التي وجدت نفسها في أوضاع شديدة التعقيد في بلدان اللجوء والمهجر.
ولكي تنقل الكاتبة هذه التجربة المعقدة، لم تلجأ إلى راوٍ واحد يفرض رؤيته على الحكاية كلها. اختارت بناءً سردياً يقوم على تعدد الأصوات. تتكون الرواية من ثلاثة عشر فصلاً، ويأتي كل فصل بصوت شخصية مختلفة، بحيث تقدم كل شخصية زاوية خاصة من الحكاية.
يمكن تشبيه هذه الفصول بقطع أحجية أو «بازل». القطعة الواحدة لا تكشف الصورة كاملة، لكنها تصبح ذات معنى عندما توضع إلى جانب القطع الأخرى. وكذلك الشخصيات؛ فكل شخصية تروي جزءاً من الحقيقة، وكل رواية شخصية تملأ شيئاً من الفراغ الذي تركه الراوي السابق. ومع تتابع الأصوات تبدأ الصورة الكبرى في التشكل تدريجياً.
وهذه التقنية تخدم الفكرة الأساسية للرواية: الذاكرة نفسها ليست كتلة واحدة مكتملة، وإنما هي شظايا متناثرة. هناك من يتذكر، ومن ينسى، ومن يروي ما سمعه من أبيه، ومن يحاول أن يستعيد تاريخاً لم يعشه بنفسه. لذلك تصبح الرواية محاولة لجمع تلك الشظايا وإعادة تركيبها.
وفي قلب هذا البناء يأتي «ختم خزعل» نفسه.
فالختم في الرواية ليس مجرد قطعة مادية من الماضي، وإنما يتحول إلى رمز للهوية والاستمرارية. إنه أثر يبقى حين تتغير الخرائط، وحين تتشتت العائلات، وحين تتعرض الأسماء لمحاولات المحو. يحمل الختم معنى الوثيقة والشهادة؛ فهو يربط الشخصيات بتاريخ سياسي كان قائماً، ويمنح الذاكرة شيئاً ملموساً تتعلق به.
إنه، في هذا المعنى، رمز لمقاومة النسيان.
فالذاكرة تحتاج أحياناً إلى شيء صغير كي تبقى حية: وثيقة، صورة، اسم، رسالة، أو ختم. ومن خلال هذا الشيء يمكن أن يعود الماضي إلى الحاضر. ولهذا يصبح الختم خيطاً درامياً يربط الشخصيات الواقعية، وعلى رأسها الشيخ خزعل، بالشخصيات المتخيلة، وفي الوقت نفسه يربط الأجيال المتعاقبة ببعضها.
فالجد الذي عاش الحدث لا يختفي تماماً؛ إذ تظل آثاره حاضرة في الأبناء والأحفاد. والوطن الذي فقدته العائلة جغرافياً يظل موجوداً في الذاكرة. والمكان الذي لم يعد ممكناً الوصول إليه يصبح موجوداً في الحكايات التي يتناقلها أفراد الأسرة.
لكن هدى النعيمي لم تكتفِ بكتابة ثلاثة عشر فصلاً. فقد اختارت أن تترك الفصل الرابع عشر مفتوحاً أمام القارئ.
الفصل الرابع عشر ليس فصلاً مكتوباً بالطريقة التقليدية، لأن أحداثه لم تقع بعد. إنه فصل المستقبل، ولذلك تركته الكاتبة لخيال القارئ. فالماضي يمكن البحث فيه، والوثائق يمكن قراءتها، والشهادات يمكن جمعها، لكن المستقبل لا يستطيع أحد أن يكتبه بصورة يقينية.
ومن هنا يتحول الفراغ في نهاية الرواية إلى مساحة للأمل.
إن القارئ الذي يصل إلى نهاية الفصول الثلاثة عشر لا يجد أمامه نهاية مغلقة، وإنما يجد سؤالاً مفتوحاً. ماذا سيحدث؟ كيف ستكون نهاية هذه القضية؟ وهل يمكن أن يأتي يوم تتحقق فيه العدالة التي تأملها الكاتبة؟
بهذا المعنى يصبح القارئ شريكاً في الرواية. لا يكتفي بأن يتلقى الحكاية، بل يُدفع إلى البحث عن جذورها، والتساؤل عن مصيرها، والتفكير في المستقبل الذي لم يُكتب بعد.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن تجربة هدى النعيمي الثقافية السابقة. فعلى الرغم من مسيرتها العلمية في الفيزياء النووية والحماية من الإشعاع، ظل الأدب حاضراً في حياتها منذ سنوات مبكرة. وكانت القاهرة، خلال فترة إقامتها فيها في التسعينيات لإنجاز دراساتها العليا، محطة مهمة في تكوينها الثقافي.
كانت تعيش نهارها في أجواء الدراسة والبحث العلمي، بينما كانت الأمسيات مخصصة للثقافة والفن. حضرت المسرح والندوات والحفلات الموسيقية والباليه والأوبرا، وانخرطت في المناخ الثقافي المصري الذي كان في تلك الفترة شديد الحيوية. وكانت «مكتبة القاهرة» إحدى المساحات التي تركت أثراً في تكوينها الثقافي، وهي المكان الذي التقت فيه في نهاية التسعينيات بزوجها الكاتب والإعلامي الدكتور محي الدين اللاذقاني.
هناك، بين العلم والأدب، أخذت ملامح الكاتبة تتضح أكثر. وفي عام 1997 أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «المكحلة»، ثم أصدرت مجموعتها الثانية عام 1998، قبل أن تعود إلى الدوحة عام 2000.
ولم يتوقف إنتاجها عند القصة القصيرة. فقد كتبت الرواية، ومن أعمالها رواية «زعفرانه» التي حققت نجاحاً وحصلت بها على جائزة كتارا للرواية، كما كتبت في مجال أدب الطفل والمسرح، وأصدرت سيرتها الذاتية «عندما يبوح النخيل».
ولعل النخيل هنا يعود مرة أخرى إلى الحكاية من بدايتها.
فالنخلة التي ارتبطت بذاكرة الأب أصبحت بطريقة غير مباشرة بوابة إلى ذاكرة شعب كامل. النخلتان اللتان زرعهما الأب في البيت القطري لم تكونا تعرفان شيئاً عن الأحواز، لكن العامل الذي جاء لرعايتهما حمل معه جملة قصيرة فتحت أمام ابنته طريقاً طويلاً من البحث والكتابة.
ومن المفارقات الجميلة في الحكاية أن النخيل، الذي كان في البداية رمزاً للذاكرة الشخصية، أصبح مدخلاً إلى الذاكرة الجمعية.
وهذا ما يجعل قصة نشأة «ختم خزعل» مختلفة عن كثير من المشاريع الروائية التي تبدأ من فكرة أدبية مجردة. هنا بدأت الرواية من لقاء إنساني. من عامل يقف إلى جوار نخيلتين. من سؤال بسيط عن الموطن. ومن إجابة حزينة اختزلت في كلمات قليلة شعور شعب كامل تجاه قضية يرى أنها تُركت طويلاً خارج دائرة الاهتمام.
وعندما انتقلت الرواية إلى قطر، لقيت ترحيباً واحتفاءً من الوسط الثقافي والنقدي. وأشير إلى تفاعل عدد من النقاد والكتاب معها، ومن بينهم الدكتور بشير بشير مرزوق والدكتور حسن رشيد، في سياق الاهتمام بالجرأة التي خاض بها العمل موضوعاً تاريخياً ظل بعيداً عن الحضور الأدبي العربي.
ولم يكن هذا الاحتفاء مهماً للرواية بوصفها عملاً أدبياً فحسب، بل لأنه يعكس الوظيفة التي أرادت الكاتبة أن تمنحها للأدب: أن يكون وسيلة لاستعادة ما غاب، وأن يحول قضية مجهولة إلى موضوع للنقاش والبحث والتأمل.
أما مقارنة «التغريبة الأحوازية» بـ«التغريبة الفلسطينية»، فهي في جوهر تجربة الكاتبة محاولة لفهم دور الأدب في حفظ الذاكرة. فالتغريبة الفلسطينية أصبحت جزءاً راسخاً من الوعي العربي بفضل ما أنتج حولها من روايات وقصص وأعمال درامية، بينما ترى الكاتبة أن التغريبة الأحوازية لم تحصل على القدر نفسه من الحضور.
ومن هنا تأتي أهمية الرواية في رأيها. فالأدب لا يستطيع وحده أن يغير التاريخ، لكنه يستطيع أن يمنع التاريخ من الاختفاء الكامل من الذاكرة.
قد تضيع الوثائق في الأرشيفات، وقد تبقى الكتب بعيدة عن القارئ العادي، لكن الرواية تستطيع أن تجعل القارئ يدخل إلى التاريخ من باب الإنسان. يستطيع أن يتعرف إلى أبٍ فقد وطنه، وابنٍ ورث الحكاية، وحفيدٍ يبحث عن هوية، وعائلة تفرقت بين المدن والبلدان، وذاكرة تحاول أن تستعيد ما فقدته.
وفي هذا السياق يصبح «عزيز» أكثر من مجرد شخصية روائية. فهو وعائلته وسيلة فنية لتمثيل مصير أوسع. وبسبب تداخل الشخصيات التاريخية مع الشخصيات المتخيلة، ظهرت لاحقاً فكرة رسم شجرة لعائلة «عزيز» باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بعد أن قام أحد الزملاء برسم شبكة تفصيلية للشخصيات والعلاقات بينها. وقد أعجبت الفكرة الكاتبة لأنها يمكن أن تساعد القراء على تتبع السلالة الروائية وفهم الروابط بين الشخصيات.
وهكذا تمتد الرواية بين مستويين متداخلين: مستوى التاريخ، ومستوى الخيال.
التاريخ يمنح الرواية جذورها، والخيال يمنح التاريخ أصواتاً ووجوهاً وحيوات. والوثيقة تقول إن حدثاً وقع، بينما الرواية تسأل: كيف عاش الناس هذا الحدث؟ ماذا حدث للعائلة؟ كيف انتقلت آثاره إلى الأبناء؟ ماذا بقي في ذاكرة الأحفاد؟
وهنا تكمن قوة «ختم خزعل» كما تظهر في المادة المتاحة: إنها لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مجموعة تواريخ جامدة، وإنما بوصفه أثراً ممتداً في حياة البشر.
وفي النهاية، يعود كل شيء إلى السؤال الأول: لماذا اهتمت هدى النعيمي بالأحواز؟
ربما لأن الحكاية بدأت بجملة صغيرة قيلت إلى جوار نخيلتين: «إحنا من الأحواز.. ادعي لنا».
لكن تلك الجملة لم تبقَ جملة. تحولت إلى بحث، والبحث تحول إلى معرفة، والمعرفة تحولت إلى إحساس بالمسؤولية، ثم تحولت المسؤولية إلى رواية.
ومن هنا أصبحت «ختم خزعل» محاولة لاستعادة صوت غاب طويلاً. محاولة للقول إن الشعوب قد تتشتت، وإن الجغرافيا السياسية قد تتغير، وإن الأسماء قد تتعرض للمحو، لكن الذاكرة تستطيع أن تقاوم إذا وجدت من يحملها.
ولهذا فإن الختم في الرواية لا يبدو مجرد أثر من الماضي، بل يصبح وعداً بألا تنتهي الحكاية.
أما الفصل الرابع عشر الذي تركته الكاتبة مفتوحاً، فيظل ينتظر قارئه.
ربما لأن النهاية الحقيقية، في نظرها، ليست في الكتاب.
النهاية في المستقبل.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.