
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- بحث وتدوين: حامد الكناني
يستند هذا السرد التاريخي إلى ملف محفوظ ضمن وثائق وزارة الخارجية البريطانية في الأرشيف الوطني البريطاني في كيو، ويحمل المرجع FO 460/8. ويتناول الملف العلاقات الإيرانية–العراقية خلال الفترة الممتدة من 1 يناير إلى 31 ديسمبر 1969.
تكشف الوثائق البريطانية عن صورة شديدة التوتر للأزمة العراقية–الإيرانية حول شط العرب في ربيع عام 1969، حين لم يعد الخلاف مقتصراً على تفسير قانوني للحدود أو على نزاع بشأن الملاحة والسيادة في المجرى المائي، بل أخذ يتطور، وفق المراسلات الدبلوماسية المحفوظة، إلى أزمة متعددة المستويات امتزجت فيها التحركات العسكرية بالحرب الإعلامية، وقضايا الملاحة والإرشاد البحري، وطرد الإيرانيين من العراق، والاستعدادات الأمنية داخل الأحواز، في وقت استدعى فيه الطرف العراقي المعاهدات والاتفاقيات التاريخية لتأكيد موقفه القانوني من شط العرب.
وتكتسب بعض الوثائق في هذا الملف أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تكشف أن الجانب العراقي كان يخوض، بالتوازي مع المواجهة السياسية والميدانية، حملة دبلوماسية وقانونية لتقديم روايته عن النزاع إلى الهيئات القنصلية الأجنبية في المنطقة. ففي 5 مايو/أيار 1969، وجهت قنصلية جمهورية العراق في المحمرة – الأحواز – إيران مذكرة رسمية إلى السلك القنصلي في المحمرة، أرفقت بها نسخة من بيان صحفي ومذكرة خلفية بشأن معاهدة الحدود العراقية–الإيرانية لعام 1937، كانت السفارة العراقية في طهران قد أصدرتها. وجاء في المذكرة أن القنصلية العراقية تقدم تحياتها إلى السلك القنصلي في المحمرة، وأنها «تتشرف» بإرفاق نسخة من البيان الصحفي ومذكرات الخلفية المتعلقة بالمعاهدة، قبل أن تجدد للقناصل عبارات التقدير والاحترام. وكانت المذكرة موجهة تحديداً إلى دي.بي.بوردن، القنصل البريطاني في المحمرة.
ويكشف هذا التحرك أن المادة المطولة الموجودة في الملف تحت عنوان «ملاحظات خلفية حول معاهدة الحدود العراقية-الإيرانية لعام 1937» لم تكن مجرد دراسة داخلية بريطانية، وإنما كانت جزءاً من المادة التي عمد الجانب العراقي إلى توزيعها على الممثلين القنصليين الأجانب لشرح موقف بغداد القانوني والسياسي من الأزمة. ومن ثم جاءت إلى القنصلية البريطانية في المحمرة في خضم المواجهة نفسها التي كان القنصل البريطاني يتابع تطوراتها اليومية.
وبحسب ما ورد في الوثائق، بدأت الخلفية القانونية العراقية بإرجاع الحدود بين العراق وإيران إلى معاهدة أرضروم التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1847، ثم إلى بروتوكول ترسيم الحدود الموقع في القسطنطينية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1913 بين وزير خارجية الدولة العثمانية والسفير الإيراني نيابة عن حكومتيهما، بمشاركة سفيري بريطانيا وروسيا بصفتهما وسيطين.
وأظهرت الوثائق أن الرواية العراقية أولت أهمية خاصة للمادة الثانية من بروتوكول 1913، التي نصت على تشكيل لجنة لترسيم الحدود على الأرض من مفوضي الحكومات الأربع، كما استندت إلى المادة الخامسة التي قررت أن الجزء الذي يتم ترسيمه من الحدود يصبح نهائياً ولا يخضع لاحقاً لإعادة الفحص أو التعديل. ووفقاً للمذكرة، أكملت اللجنة أعمال ترسيم الحدود وتحديد إحداثيات نقاطها من الشمال إلى الجنوب، وسُجلت التفاصيل في محاضر لجنة عام 1914.
وفي هذا السياق التاريخي والقانوني، انتقلت المذكرة إلى وضع الحدود في شط العرب، وذكرت أن شط العرب يبدأ عند التقاء نهري دجلة والفرات في القرنة ويمتد مسافة 204 كيلومترات قبل أن يصب في الخليج، وأنه يجري داخل الأراضي العراقية من الجانبين لمسافة 102 كيلومتر وصولاً إلى نقطة تقع جنوب البصرة. وأكدت أن لجنة الحدود أنجزت خلال اجتماعاتها في عامي 1913 و1914 ترسيم الحدود في شط العرب، وأن تفاصيل ذلك أدرجت في جدول وصف الحدود الملحق بمحاضر اللجنة.
وتوضح الوثائق أن الرواية العراقية استندت إلى وصف دقيق لمسار الحدود، يبدأ من البحر المفتوح وصولاً إلى الضفة اليسرى لشط العرب، ثم يتبع خط المياه المنخفضة على الضفة الإيرانية، مع استثناءات محددة تتعلق بعدد من الجزر وميناء ومرفأ المحمرة، قبل انتقال الخط في جزء محدد إلى وسط المجرى المائي.
وأشارت المذكرة العراقية إلى أن الحكومة العثمانية كانت قد تنازلت عن مدينة المحمرة ومرساها في إطار الرغبة في تسوية مشكلات الحدود بين الدولتين، ثم دخلت في شرح قانوني لمبادئ ترسيم الحدود النهرية، مؤكدة أنه لا يوجد، بحسب حجتها، مبدأ عام ملزم في القانون الدولي يفرض طريقة واحدة لتحديد الحدود في الأنهار، وأن الأطراف تستطيع الاتفاق على خط الـثالويج أو خط الوسط، أو اعتبار النهر بأكمله تابعاً لدولة واحدة بحيث تصبح ضفة الدولة الأخرى هي خط الحدود. وذهبت المذكرة إلى أن الطريقة الأخيرة هي التي اعتمدت عموماً في ترسيم الحدود العراقية–الإيرانية في شط العرب، وأن الطرفين قبلا بذلك في اتفاقيات متعاقبة، من بينها معاهدة أرضروم لعام 1847، وبروتوكول القسطنطينية لعام 1913، ومحاضر لجنة الحدود لعام 1914، ثم معاهدة عام 1937.
ولتعزيز هذه الحجة، قارنت المذكرة الوضع بأمثلة من الحدود النهرية الأوروبية، قبل أن تؤكد أن لإيران ساحلاً على الخليج يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر ويضم عدداً من الموانئ والمرافئ، ومنها خور موسى الواقع على مسافة 50 كيلومتراً شرق شط العرب، بينما يمثل شط العرب، بحسب المذكرة، المنفذ البحري الوحيد للعراق، ولذلك فإن أهميته بالنسبة إلى العراق تفوق أهميته بالنسبة إلى إيران.
وتقدم الوثائق بعد ذلك القراءة العراقية لـمعاهدة الحدود العراقية–الإيرانية المؤرخة في 4 يوليو/تموز 1937. فقد أكدت أن المادة الأولى ألزمت الطرفين بمراعاة بروتوكول ترسيم الحدود العثمانية–الإيرانية الموقع في القسطنطينية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1913 ومحاضر لجنة ترسيم الحدود لعام 1914، وأن الدولتين أعلنتا أن خط الحدود بينهما هو الخط الذي حددته ورسمته اللجنة، باستثناء التعديل الوارد في المادة الثانية من المعاهدة.
لكن المذكرة العراقية لم تقدم معاهدة 1937 بوصفها تكريساً للموقف العراقي وحده، بل خصصت قسماً بعنوان «مكاسب إيران»، وأوضحت فيه أن إيران حصلت بموجب المعاهدة على عدد من المكاسب. وكان أولها، بحسب الوثيقة، تنازل العراق لإيران عن جزء من أراضيه في شط العرب من خلال تعديل خط الحدود المقابل لعبادان، بحيث أصبح خط الحدود في المنطقة المحددة في المادة الثانية يتبع خط العمق أو الـثالويج بعد أن كان يتبع خط المياه المنخفضة على الضفة الإيرانية.
أما المكسب الثاني الذي نسبته الوثيقة إلى إيران، فتمثل في المادة الخامسة من معاهدة 1937، التي نصت على إبرام اتفاق بين الطرفين بشأن المسائل المتعلقة بالملاحة وصيانة النهر، بينما قالت المذكرة إن العراق كان يمتلك بصورة منفردة حق التشريع في تلك المسائل. وادعت المذكرة أن إيران حاولت استغلال هذا التطور للحصول على حقوق في إدارة شط العرب لا تمنحها إياها المعاهدة أو وضعها القانوني في النهر. كما أشارت إلى أن الفقرة الثالثة من البروتوكول الملحق بالمعاهدة نصت على اعتبار الإذن الذي يمنحه أحد الطرفين لسفينة حربية بدخول موانئه كما لو كان ممنوحاً من الطرف الآخر.
وتضمنت الوثائق كذلك شرحاً للخلاف بشأن اتفاق صيانة الملاحة في شط العرب. فقد نصت المادة الخامسة من معاهدة 1937 على أن يعقد العراق وإيران اتفاقاً يتعلق بصيانة وتحسين القناة الصالحة للملاحة، والتجريف، والإرشاد، والرسوم، والإجراءات الصحية، ومكافحة التهريب، وسائر المسائل المتعلقة بالملاحة في شط العرب.
لكن الرواية العراقية أكدت أن بغداد لم تنكر التزامها بعقد مثل هذا الاتفاق، وإنما اتهمت طهران بمحاولة تحويل المفاوضات إلى وسيلة للمطالبة بحقوق في إدارة شط العرب مماثلة لتلك التي يتمتع بها العراق، وذلك من خلال المطالبة بتشكيل لجنة مشتركة لإدارة شط العرب. وردت المذكرة بأن معاهدة 1937 لا تتضمن، من وجهة النظر العراقية، نصاً يلزم الطرفين بتشكيل مثل هذه اللجنة، وأصرت على وصف شط العرب بأنه، باستثناء منطقتين صغيرتين، يقع في الأراضي العراقية.
كما فتحت الوثائق ملفاً مالياً وفنياً آخر يتعلق برسوم التجريف والإرشاد المستحقة على حركة السفن الإيرانية. وذكرت أن مبالغ كبيرة كانت مستحقة لسلطات الموانئ العراقية على السفن التجارية الإيرانية المبحرة في شط العرب، وأن هذه المبالغ تراكمت منذ 1953 ووصلت حتى عام 1959 إلى 23,377/476 ديناراً عراقياً مقابل خدمات التجريف والإرشاد. وشددت المذكرة على أن الرسوم المفروضة على السفن الإيرانية لم تكن أعلى من الرسوم المفروضة على السفن التجارية العراقية أو الأجنبية، وأن حصيلتها كانت تستخدم لتحسين وصيانة طرق الملاحة ومداخل النهر والنفقات المتعلقة بخدمة الملاحة.
وأوردت المذكرة نصاً من المادة الرابعة من معاهدة الحدود يؤكد بقاء شط العرب مفتوحاً بالتساوي أمام السفن التجارية لجميع الدول، وأن الرسوم المحصلة يجب أن تكون مقابلاً للخدمات المقدمة وأن تخصص بصورة عادلة لتغطية تكاليف الحفاظ على صلاحية المجرى للملاحة وتحسين القناة ومداخل شط العرب من جهة البحر والنفقات المتعلقة بالملاحة. كما ذكرت أن الحكومة الإيرانية وافقت، في البروتوكول الملحق بالمعاهدة، على أن تتولى الحكومة العراقية خدمات الصيانة وتحصيل الرسوم وفقاً لأحكام المعاهدة والبروتوكول.

من الجدل القانوني إلى أزمة مايو/أيار 1969
غير أن الوثائق البريطانية تكشف أن هذا السجال التاريخي والقانوني لم يكن منفصلاً عن تطورات ميدانية متسارعة. فبعد يومين فقط من المذكرة العراقية الموجهة إلى القنصل البريطاني، كتب ب. ف. م. ووجان من القنصلية البريطانية في المحمرة في 7 مايو/أيار 1969 تقريراً سرياً تناول فيه الأزمة الجارية في شط العرب، وأرفق به مجموعة جديدة من قصاصات الصحف المتعلقة بها.
ووصف ووجان الأزمة بأنها بدأت تتطور إلى عدة مراحل أو جبهات منفصلة. وكان أولها النزاع بشأن الأعلام على السفن في شط العرب، وهو خلاف قال إنه ظل من دون حل نهائي، في ظل ما وصفه بتغير السياسة الإيرانية من يوم إلى آخر. ومع ذلك، بدا له أن الوضع عاد مؤقتاً إلى ما يشبه الحالة الطبيعية، مع فارق أساسي هو توقع رفع السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية في شط العرب العلم الإيراني أثناء صعودها في النهر. لكنه حذر من أن الوقت كان لا يزال مبكراً لمعرفة ما إذا كان هذا الترتيب سيستقر فعلاً.
وتكشف الوثيقة أن ملف الإرشاد الملاحي كان يتحول هو الآخر إلى جزء من الصراع على السيادة. فقد أشار القنصل البريطاني إلى نشاط الدكتور أمانبور، الذي وصفه بأنه طيار سابق في قناة السويس، في المحمرة، حيث كان يبلغ جمعيات الملاحة بأن إيران تعتزم إنشاء قوة تضم نحو 200 مرشد إيراني. لكن التقييم البريطاني رأى أن قدرة إيران، في ذلك الوقت، على إجبار ربابنة السفن الأجنبية على الاستعاضة عن المرشد العراقي بمرشد إيراني كانت محدودة، ولا سيما بسبب مسائل إعادة التأمين وغيرها من الاعتبارات العملية. ومن هنا رجح التقرير أن تكون المنطقة أمام أزمة طويلة الأمد في النهر، خصوصاً عندما يصبح المتدربون الإيرانيون مؤهلين للعمل.
أما الجبهة الثانية في المواجهة، وفق التقرير البريطاني، فكانت طرد المقيمين والزوار الإيرانيين من العراق. وهنا جاء التقييم أكثر خطورة، إذ رأى القنصل البريطاني أنه «لا شك» في أن هذه القضية كانت تستخدم لخلق مناخ مواتٍ لاستخدام القوة العسكرية. وأشار إلى أن تلفزيون البصرة، خلال الليلتين السابقتين، عزز هذا الانطباع من خلال خطابات هجومية استهدفت، بصورة خاصة، العائلة المالكة الإيرانية.
وتكشف الوثائق أن الجبهة الثالثة كانت عسكرية بصورة مباشرة. فقد أفاد التقرير بأن معظم الأسطول الإيراني كان في البحر، إما في خرج أو في الخليج، باستثناء السفينة لاراك التي كانت موجودة في المحمرة، ظاهرياً لتوفير غطاء جوي للميناء. كما تحدث عن أربعة زوارق دورية اكتسبت اهتماماً دولياً نتيجة مرافقتها السفينتين “ابن سينا”و”آريافر” في رحلتهما نزولاً عبر النهر.
وأوضحت الوثيقة أن القنصلية البريطانية لم تستطع تحديد عدد القوات الإيرانية المتحصنة في جزيرة عبادان، لكنها رصدت مؤشرات واضحة على انتشار عسكري واسع. فقد أبدى التقرير استغرابه من وجود قوات مدرعة في المنطقة، خصوصاً في ظل الفيضانات الشديدة التي جعلت الوصول بين المحمرة وعبادان والأهواز مقتصراً على طريق واحد.
ومع ذلك، سجلت الوثيقة وجود نحو اثنتي عشرة دبابة بالقرب من جسر المحمرة، إلى جانب إنشاء قاعدة مدفعية خلف مكتب المحافظ، بينما كان المطار مكتظاً نسبياً بالمركبات والقوات. كما لفت القنصل إلى وجود دبابة وصفها بالغريبة ومزودة بقدرات مضادة للطائرات ذات سبطانة مزدوجة، فيما كانت بساتين النخيل الممتدة بمحاذاة شط العرب تعج بالقوات والمدافع والمدرعات، مع ورود تقارير حتى عن وجود صواريخ.
وفي خضم هذه التعبئة، أظهرت الوثائق أن القلق لم يعد مقتصراً على الدوائر العسكرية والدبلوماسية، بل امتد إلى السكان المحليين. فقد أذاع راديو الأهواز تحذيراً للسكان يفيد بأنه في حال وقوع عدوان ستعلن الأحكام العرفية. كما أجريت تدريبات تحاكي الغارات الجوية، إحداها كانت مقررة مسبقاً والأخرى تضمنت قطع الكهرباء، وهي إجراءات قال القنصل إنها لم تفعل سوى زيادة حالة القلق وعدم الارتياح في المنطقة.
ومع ذلك، رأى التقرير أن الظروف الطبيعية ربما كانت عاملاً مانعاً للتصعيد العسكري في تلك اللحظة، إذ أدت الأمطار والفيضانات غير المسبوقة إلى جعل المناورات العسكرية صعبة من الناحية العملية.
وأشارت الوثائق إلى أن الأزمة تركت كذلك آثاراً مباشرة على النشاط الملاحي والتجاري. فقد انخفضت بصورة كبيرة حركة السفن المتجهة إلى البصرة، ووصل الأمر في مرحلة من المراحل إلى إغلاق ميناء المحمرة لمدة ثلاثة أيام. وفي المقابل، خلص التقرير إلى أن الأخبار الصحفية التي تحدثت عن قيام الإيرانيين بزرع ألغام داخل شط العرب كانت مبالغاً فيها، لكنه أكد أن ألغاماً مضادة للإنزال زرعت على الساحل.
وسجل القنصل البريطاني، في ملاحظة ذات طابع ساخر وسط أجواء الأزمة، أن السفينة الروسية الوحيدة التي استطاع الإبلاغ عنها كانت قد رست في عبادان قبل أسبوع لتفريغ سيرك موسكو، معلقاً بأن توقيت وصولها «لم يكن من الممكن أن يكون أكثر ملاءمة» في ظل المشهد المضطرب المحيط بالمنطقة.

الأحواز تستعد لاحتمال الطوارئ
وتضيف الوثيقة الإيرانية المرفقة الآن بعداً داخلياً مهماً إلى هذه الصورة. فهي عبارة عن إعلان صادر عن قيادة منطقة الأحواز، ويظهر من نصه أنه جاء في ظل الأوضاع الأمنية المتوترة والاستعداد لاحتمال وقوع تطورات طارئة.
وأظهرت الوثيقة أن قيادة المنطقة أعلنت، استناداً إلى تعليمات صادرة عن السلطات العليا، مجموعة من الإجراءات التي يتعين تطبيقها عند الضرورة. ومن بينها أن يبدأ تطبيق منع التجول في الأهواز من الساعة 24:00 ليلاً وحتى الخامسة صباحاً.
كما تضمنت التعليمات تنظيماً لحركة السكان ووسائل النقل خلال فترة منع التجول، بحيث لا تتم الحركة إلا وفق الضوابط والتصاريح المقررة. وتظهر الوثيقة أن الهدف كان وضع المدينة تحت نظام أمني أكثر صرامة في حال تطلبت التطورات ذلك.
وتشير الوثيقة كذلك إلى اتخاذ احتياطات تتعلق بالمناطق السكنية والمنشآت، مع التشديد على الاستعداد لأي تطورات قد تقع، وهو ما ينسجم مع التقرير البريطاني الذي تحدث عن التحذيرات الإذاعية في الأهواز وإمكانية إعلان الأحكام العرفية في حال وقوع «عدوان».
وفي نهايتها حملت الوثيقة توقيع قائد منطقة الأحواز، اللواء مرتضى رحيمي، الأمر الذي يوضح أن الإجراءات لم تكن مجرد تعليمات مدنية محلية، وإنما كانت مرتبطة مباشرة بالقيادة العسكرية المسؤولة عن المنطقة في تلك المرحلة.
وبذلك تكمل الوثيقة الإيرانية الصورة التي رسمها القنصل البريطاني: ففي الوقت الذي كانت فيه الدبابات والمدفعية والقوات تنتشر حول المحمرة وعبادان، وكانت التدريبات على الغارات الجوية والتحذيرات الإذاعية تزيد قلق السكان، كانت السلطات العسكرية في الأحواز تعد بالفعل ترتيبات تتعلق بمنع التجول وحركة المواطنين والاستعداد لحالة طوارئ محتملة.
أزمة واحدة بثلاث روايات متوازية
وعند جمع هذه الوثائق معاً، تظهر أزمة شط العرب في مايو/أيار 1969 باعتبارها مواجهة كانت تتحرك في ثلاثة مسارات متزامنة.
فمن الجانب العراقي، كانت هناك محاولة لتثبيت الأساس التاريخي والقانوني لموقف بغداد، وهو ما يفسر قيام القنصلية العراقية في المحمرة في 5 مايو/أيار 1969 بتوزيع البيان الصحفي والمذكرة التفصيلية بشأن معاهدة الحدود لعام 1937 على أعضاء السلك القنصلي، ومن بينهم القنصل البريطاني.
ومن الجانب الإيراني، تكشف الوثيقة الصادرة عن قيادة الأحواز أن السلطات كانت تتحرك على الأرض للاستعداد لاحتمالات أمنية وعسكرية، بما في ذلك تنظيم حركة السكان والاستعداد لفرض منع التجول، بالتوازي مع الانتشار العسكري الذي رصدته القنصلية البريطانية حول عبادان والمحمرة.
أما من الجانب البريطاني، فقد كانت القنصلية في المحمرة تراقب الطرفين وتسجل تحول الخلاف من نزاع حول الأعلام والسيادة والملاحة إلى أزمة يمكن أن تمتد إلى استخدام القوة. فالتقرير البريطاني لم ينظر إلى طرد الإيرانيين من العراق أو التعبئة الإعلامية أو انتشار القوات باعتبارها حوادث منفصلة، وإنما قرأها باعتبارها أجزاء من أزمة آخذة في التشعب.
واللافت أن الصراع على الإرشاد الملاحي كان يلخص جانباً كبيراً من النزاع الأوسع. فالمذكرة العراقية أكدت حق العراق في إدارة خدمات الملاحة والصيانة وتحصيل الرسوم استناداً إلى تفسيره لمعاهدة 1937، بينما كان الإيرانيون، وفق التقرير البريطاني، يتحركون لتدريب نحو 200 مرشد إيراني واستخدامهم في السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية. وبذلك لم يكن السؤال المتعلق بمن يصعد إلى السفينة لإرشادها عبر شط العرب مسألة فنية فحسب، بل أصبح تعبيراً عملياً عن السؤال الأكبر: من يملك سلطة إدارة المجرى المائي وممارسة مظاهر السيادة عليه؟
كما ارتبطت بذلك أزمة الأعلام. فالتقرير البريطاني أشار إلى أن السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية كان متوقعاً منها رفع العلم الإيراني أثناء صعودها النهر، في الوقت الذي كانت فيه المذكرة العراقية تستند إلى سلسلة من الاتفاقيات التاريخية لتأكيد أن معظم شط العرب، باستثناء أجزاء محدودة، يخضع من وجهة نظر بغداد للوضع القانوني الذي أرسته اتفاقيات 1847 و1913 و1914 و1937.
وهكذا تكشف الوثائق، عند قراءتها كوحدة واحدة، أن أزمة ربيع 1969 لم تكن مجرد خلاف حدودي عابر. فقد كانت هناك معركة عراقية لتثبيت رواية قانونية وتاريخية للسيادة، ومحاولة إيرانية لفرض وقائع جديدة في مسائل الأعلام والإرشاد والملاحة، وتحركات عسكرية على الأرض، وإجراءات أمنية داخل الأحواز، وتصعيد إعلامي مرتبط بطرد الإيرانيين من العراق، إلى جانب مخاوف بريطانية من أن تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى مواجهة أطول وأكثر خطورة في شط العرب.
والأهم أن المراسلات البريطانية نفسها كانت تتعامل مع الموقف باعتباره أزمة لم تصل بعد إلى نهايتها. ففي 7 مايو/أيار 1969 لم يكن القنصل البريطاني قادراً على الجزم بما ستؤول إليه ترتيبات الأعلام أو الإرشاد الملاحي، بل رجح صراحة إمكانية الدخول في أزمة ممتدة في النهر مع تطور القدرات الإيرانية وتدريب المرشدين الجدد، بينما كانت القوات والأسلحة قد انتشرت بالفعل على امتداد المنطقة الحساسة بين المحمرة وعبادان وشط العرب.
وبذلك تقدم هذه المجموعة الوثائقية مشهداً متكاملاً تقريباً للحظة من أكثر لحظات التوتر حساسية في ذلك العام: العراق يوزع على الدبلوماسيين والقناصل ملفه القانوني بشأن معاهدة 1937، وإيران ترفع مستوى استعدادها الأمني والعسكري في الأحواز، والقنصلية البريطانية في المحمرة تراقب التطورات وتحذر من أن الخلاف قد يتحول إلى أزمة طويلة على شط العرب.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.