
شهد تاريخ الدولة الإيرانية المعاصرة، منذ إخضاعها الشعوب غير الفارسية بالقوة وفرض سيطرتها عليها، سلسلةً طويلة من سياسات التهجير القسري، والترحيل، والتعذيب، والقتل، والتدمير، فضلًا عن مختلف الممارسات التي تندرج في إطار جرائم التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي الممنهج بحق تلك الشعوب.
ويُعدّ الشعب الأحوازي من أكثر هذه الشعوب تعرضًا للظلم والاضطهاد على يد السلطة المركزية الإيرانية، لأسباب تاريخية وسياسية متعددة لا يتسع هذا المقال للخوض في تفاصيلها. كما ظل هذا الشعب، رغم ما يتمتع به من خصوصية تاريخية وهوية عربية راسخة، وما كان يتمتع به من كيان سياسي مستقل قبل احتلال الأحواز، مهمشًا على المستويين الإقليمي والدولي، ولم يحظ بالاهتمام الذي تتطلبه قضيته.
وعلى امتداد قرن كامل، تكبّد الشعب الأحوازي أبشع صور الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها بحقه الأنظمة الإيرانية المتعاقبة، منذ إسقاط الحكم العربي واحتلال الأحواز على يد رضا شاه، وحتى يومنا هذا، في إطار سياسة مستمرة استهدفت طمس هويته الوطنية والعربية، وإحداث تغييرات ديموغرافية وثقافية في الإقليم.
ويرى الشعب الاحوازي أن السياسات التي اتبعتها الحكومات الإيرانية اتّسمت بطابع قومي -عنصري معاد لكل ما هو عربي، إلى جانب اعتمادها سياسة تعتيم إعلامي صارمة داخل الأحواز، حيث تمنع السلطات الإيرانية بصورة متعمدة دخول وسائل الإعلام العربية والدولية، الأمر الذي ساهم في حجب ما يجري هناك عن الرأي العام العالمي، والتستر على كثير من الانتهاكات المرتكبة بحق السكان الأصليين.
كما أنّ بعض الدول، بحكم مصالحها السياسية والاقتصادية، تتجنب إثارة القضية الأحوازية أو ممارسة ضغوط جدية على إيران، حفاظًا على علاقاتها ومصالحها الخاصة.
وفي المقابل، حظيت قضايا أخرى، مثل القضية الفلسطينية و قضايا حقوق الانسان في مختلف بقاع العالم باهتمام واسع من الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية ، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى التساؤل حول أسباب استمرار غياب الاهتمام الدولي الكافي بما يجري في الأحواز من جرائم علنية كانت أم خفية ،ترتقي هي الأخرى الى جرائم ضد الانسانية بما فيها جرائم التطهير العرقي المكتملة الأركان و المفاهيم. و يطرح هذا التسائل بمعزل عن هذا المقال لاكتشاف أبعاده التاريخية و الحقيقية.
الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي
ظهر هذا المصطلح دولياً عام 1915 في سياق ادانة الجرائم المرتكبة بحق الأرمن ثم أُدرج قانونيا في محاكمات نورمبرغ عام 1945 حين محاكمة قادة النظام النازي آنذك، الى أن استقر تعريفه الحالي في نظام روما الأساسي حيث تُعتبر المادة 7 بفقرتها الأولى ، الصياغة القانونية الأكثر استنادا و اعتمادا في تعريف الجرائم ضد الانسانية و تحديد عناصرها بشكل واضح.
المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام (1998)
الجرائم ضد الإنسانية:
1- لغرض هذا النظام الأساسي , يشكل أي فعل من الأفعال التالية ” جريمة ضد الإنسانية ” متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين , وعن علم بالهجوم :
أ ) القتل العمد.
ب) الإبادة.
ج ) الاسترقاق.
د ) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.
هـ) السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.
و ) التعذيب.
ز ) الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء, أو الحمل القسري, أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة.
ح) اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية, أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3 , أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها , وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
ط) الاختفاء القسري للأشخاص.
ي) جريمة الفصل العنصري.
ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.
التهجير القسري للقبائل العربية و فرض الزي البهلوي
يُعدّ التهجير القسري للسكان الأصليين من أخطر الانتهاكات التي يحظرها القانون الدولي، لما ينطوي عليه من مساس بحقوق الشعوب الأصلية في الأرض والهوية والثقافة وحقها في البقاء على أراضيها التقليدية. وقد أكدت قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعدد من الصكوك الدولية، أن نقل السكان الأصليين أو إبعادهم عن أراضيهم لا يجوز إلا في حالات استثنائية ووفق ضمانات قانونية صارمة، مع وجوب احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، وضمان حقهم في العودة والتعويض عند وقوع التهجير بصورة غير مشروعة. لذلك، يُنظر إلى التهجير القسري للسكان الأصليين بوصفه انتهاكًا جسيمًا قد يترتب عليه مسؤولية قانونية دولية، وقد يرتقى في بعض الظروف إلى جريمة دولية.
و بالرغم من أن المادة السابعة لنظام روما لا تتضمن نص مستقل يجرّم فرض لباس معين على جماعة اثنية محددة، فإن هذا الفعل قد يندرج، بحسب ظروفه وسياقه، ضمن جريمة الاضطهاد المنصوص عليها في البند( ح) من المادة، حيث يشير الى استهداف جماعة قومية أو عرقية أو ثقافية معينة. و في افضل الأحوال يُنظر إلى مثل هذه الممارسات على أنها انتهاك للحقوق الثقافية وحقوق الأقليات المعترف بها في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
انتفاضة بني طرف (الثانية) عام 1945
تُعدّ انتفاضة بني طرف (الثانية) واحدةً من سلسلة الانتفاضات التي خاضها الشعب العربي الأحوازي عقب احتلال أرضه والسيطرة على مقدراته من قبل الدولة الإيرانية و محاولة النظام فرض اللباس البهلوي على النساء و الرجال الذي يهدف الى طمس هوية شعب باكمله وقد حظيت هذه الانتفاضة بمساندة عدد من القبائل العربية الأخرى، ولا سيما بنو سالة وبنو لام والشرفة والمحيسن، حيث سطّرت العشائر الثائرة صفحات بارزة من المقاومة والدفاع عن الأرض والعِرض، وتمكّنت من بسط سيطرتها على العديد من المخافر والمدن والقرى الواقعة ضمن مناطقها.
واستمرت هذه الانتفاضة عدة أشهر، قبل أن تواجهها الحكومة الإيرانية بحشد عسكري كبير ضمّ وحدات مدرعة وطائرات مقاتلة، قامت بقصف مواقع الثوار والتجمعات المدنية، الأمر الذي مكّن القوات النظامية وسلاح الجو من استعادة السيطرة على المنطقة وإنهاء الانتفاضة.
وعقب ذلك، نفّذت الحكومة عمليات ترحيل جماعي قسري طالت ما يقارب 1500 شخص من أبناء المنطقة إلى شمال إيران، حيث أُجبروا على السير لمسافات طويلة تحت حراسة مشددة. وتشير الروايات المتداولة إلى أن أعدادًا كبيرة منهم قضوا خلال الطريق نتيجة الجوع والإنهاك والبرد وأعمال القتل، ولم يصل إلى طهران سوى عدد محدود قُدّر بنحو أربعين شخصًا، قبل أن تُوزّعهم السلطات على قرى نائية في شمال البلاد.
ومن الروايات المتداولة حول تلك الحادثة الأليمة، أنه عندما وصلت القوات الإيرانية إلى طهران ومعها الأسرى من العوائل والنساء، قام قائد حامية طهران بتفقّد الجنود وسؤالهم عمّا واجهوه خلال الرحلة. فذكر أحد الجنود أن بغلته نفقت في الطريق بسبب مشقة المسير وطول المسافة. عندها التفت المحافظ إلى إحدى النساء العربيات من بين الأسرى، وانتزع من أذنها قرطها دون رحمة، ثم سلّمه للجندي تعويضًا عن بغلته النافقة، متسببًا بجرح في أذن المرأة و دماء غزيرة.
و تعكس هذه الرواية مدى الطبيعة المتوحشة للنظام و الكره الذي يكنّون في انفسهم للعرب، و ما واجهته تلك العوائل العربية من إذلال و معاملة قاسية خلال تلك الأحداث.
و في هذه المناسبة، أتذكر في صغري كنت شاهداً على أحد رجال القرية ، و رغم أنه كان أمّيًا، فإنه كان ينطق اللغة الفارسية بسلاسة. حيث كان أهالي القرية يستعينون به للترجمة عند الحاجة في المحاكم و المخافر و غيرها من الدوائر الحكومية. و قد تعلّم هذا الرجل اللغة الفارسية أثناء فترة الأسر مع عائلته في شمال طهران، حيث بقوا هناك إلى أن أفرج عنهم على يد القوات الروسية بعد احتلال الحلفاء ايران أبان الحرب العالمية الثانية .
فتح السدود المتعمد وسيلة أخرى للتهجير القسري
سعت الأنظمة الإيرانية المتعاقبة إلى تغيير التركيبة السكانية للعرب في الأحواز بمختلف الوسائل، ونجحت إلى حدّ ما في بعض المدن، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها بصورة أساسية في سهل ميسان، الذي يضم مدناً مثل الحويزة والخفاجية والبسيتين والقرى المجاورة لها، حيث حافظت المنطقة الى حدّ كبير على هويتها العربية. كما أخفقت في مشاريع استيطانية عدة، من بينها مشروع «يزد نو» الذي أُقيم في الحويزة خلال عهد محمد رضا شاه البهلوي.
وفي ظل هذا الإخفاق، اتجه النظام الحالي إلى استخدام أساليب أخرى للضغط على السكان العرب، من بينها فتح بوابات السدود وإغراق مناطق واسعة من سهل ميسان، الأمر الذي أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمزارعين وممتلكاتهم وثرواتهم الحيوانية وأراضيهم الزراعية، مما دفع الكثير إلى مغادرة مناطقهم وقراهم.
ويُشار في بعض الأوساط الفارسية إلى سد الكرخة بتسمية «سد عرب كُش» (السد القاتل للعرب)، وهي تسمية تعكس أو تُخفي حجم مشاعر الكراهية و الأحقاد الدفينة التي تستهدف الاحوازيين و تتجذر في نفوس هؤلاء القوم .
وقد شهدت العقود الأخيرة توسعًا في بناء السدود والمشاريع المائية، التي يرى كثير من الأحوازيين أنها استُخدمت أحيانًا لإغراق مناطق عربية، وأحيانًا أخرى لتجفيف أراضٍ زراعية وتحويل المياه من روافد وأنهار رئيسية، مثل نهري الكرخة و كارون الى المدن الفارسية، الأمر الذي انعكس سلبًا على البيئة والاقتصاد المحلي لسهل ميسان، الذي بقي، الى حد ما ،متماسكاً في مواجهة سياسات التفريش و التهجير، و تمهيد الطريق لانصهار سكانه بالمجتمعات الفارسية، بما يفضي ذلك الى القضاء على الهوية العربية و طمسها بشكل نهائي.
وفي عام 2019 فُتحت بوابات عدد من السدود على مناطق سهل ميسان بصورة غير مسبوقة، ما تسبب بخسائر كبيرة لحقت بالمزارعين وممتلكات المواطنين. إلا أن الشعب الأحوازي أبدى تضامنًا واسعًا مع المتضررين، وشهدت مدن عديدة تحركات شعبية لمساندة المنكوبين، رُفع خلالها الشعار الشعبي: «بكّينا الشط، ما بكّانا». أي ارادوا أن يكسروا عزيمتنا، لكننا لم ننكسر.
التسبب بعقم النساء العربيات في الاحواز
وفقًا لتقارير عدد من النشطاء الأحوازيين، وشهادات وحالات مشهودة لدى العديد من العوائل الأحوازية، سُجلت حالات عديدة من العقم بين النساء العربيات عقب خضوعهن لعمليات قيصرية دون موافقتهن. وتفيد هذه الشهادات بأنه يتم ربط قنوات فالوب لدى المرأة العربية دون علمها أو موافقتها، أثناء إجراء عملية قيصرية لم تحظَ هي الأخرى بموافقة الزوجين. وتؤكد التقارير وشهادات العوائل الأحوازية في الداخل تكرار مثل هذه الحالات، و إنها تهدف، من خلال كوادر طبية تابعة للحكومة، إلى الحد من تكاثر العرب في الأحواز. ويعكس ذلك، وفق هذه الروايات، حجم المأساة وبشاعة الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم التطهير العرقي، والتي تتعرض لها المرأة العربية في الأحواز في ظل غياب الرقابة الدولية الفاعلة، وافتقارها إلى أي رادع قانوني في الداخل.
ويروي ناشطون أحوازيون أن سيدةً أحوازية تلقت علاجًا لمدة ثلاث سنوات من أجل الإنجاب، إلا أن الأطباء الإيرانيين أخبروها بأنها عقيم. وبعد انتقالها مع أسرتها إلى أستراليا ومراجعتها للأطباء هناك، أكدوا لها أنها كانت تتلقى دواءً يمنع الحمل.
كما يروي لي أحد الأصدقاء أنه بعد ولادة مولودهما الأول، لم تُرزق زوجته بالحمل مرة أخرى لمدة ما تقارب ست سنوات، رغم مراجعات عديدة للأطباء في الأحواز. لكن عندما سافرا إلى سوريا وراجعا الأطباء هناك، اكتشفوا أن قنوات الإنجاب لدى زوجته قد أُجريت لها عملية جراحية أدت إلى ربطها. وبعد إجراء عملية لفتح الأنابيب، رُزقا لاحقًا بمولود آخر، والحمد لله.
وبهذه المناسبة، يشير الكاتب والأكاديمي الأحوازي رحيم حميد إلى وجود أدلة وإحصاءات، بحسب ما يورد من مصادر داخلية، تفيد بتعرض نساء في قرى بأكملها في سهل ميسان لحالات عقم جماعي. و يعزي المحللين و المختصين ذلك الى تلوث البيئة الممنهج من قبل النظام أو اجرائات طبية متعمدة و محظورة تؤدي الى العقم ومنع الإنجاب لدى النساء العربيات بدون معرفة مسبقة لهن.
و هذا ما يؤكد حجم المأساة التي يتعرض لها السكان العرب في الإقليم، وتُعد مؤشراً على وجود سياسة تطهير عرقي تستهدف مجموعة عرقية بعينها، تُنفذ بصورة ممنهجة ومتعمدة من قبل السلطات الإيرانية، بعيداً عن الأضواء وفي إطار من السرية والتكتم.
المجازر، القتل والتعذيب في السجون
المجازر التي نُفذت بحق الأحوازيين لا تُعد ولا تُحصى على مدى قرن من الزمن. فمنذ احتلال الأحواز، بدأت السلطات الإيرانية باعتقال حاكم هذه الأرض الشيخ خزعل بن مرداو وقتله، لتتواصل بعدها حملات القمع عبر ارتكاب مجازر مروعة بحق الأحرار والمنتفضين الرافضين للحكم العسكري آنذك ،ومن أبرز المجازر التي ارتكبتها الأنظمة الإيرانية المتعاقبة بحق المواطنين الأحوازيين، والتي أشار إليها الكاتب الأحوازي يوسف عزيزي بالتفصيل في مقال نشره في مجلة كل العرب، ما يلي:
” • القمع الدامي للمنتفضين في ثورة الغلمان بعد أربعة أشهر من اختطاف الأمير خزعل، حاكم عربستان.
• إعدام ثلاثمائة سجين من أصل أربعمائة سجين في الأحواز إثر هيمنة رضا شاه على المحمرة، وفق ما أورده أروين قائميان في رسالته للدكتوراه المقدمة إلى كلية الآداب بجامعة طهران عام ٢٠٢٤.
• اغتيال مائة قروي أحوازي عقب عصيان الفلاحين الذي شمل مختلف مناطق عربستان، من القصبة جنوبًا مرورًا بالمحمرة والأحواز وصولًا إلى شمال الإقليم، عام ١٩٢٨، وفق صحيفة باريس تايمز، العدد ١٣١٧، الصادر في الثاني من يناير ١٩٢٨.
• الهجمات الجوية والبرية التي شنها جيش البهلوي الأول عام ١٩٢٨ على مدينة الحويزة، بعد أن استولى عليها محيي الدين الزيبق معلنًا استقلالها لمدة ستة أشهر، والتي أسفرت عن مقتل نحو ستين أحوازيًا.
• اغتيال ثمانين أحوازيًا عام ١٩٤٠ خلال قمع قوات رضا شاه للانتفاضة التي قادها حيدر الطليل في منطقة «الونج» شمال الأحواز، وفق رسالة الدكتوراه المشار إليها.”
كما لا تزال مجزرة المحمرة، المعروفة بـ«الأربعاء الأسود» عام ١٩٧٩، حاضرة في ذاكرة الأحوازيين، إذ نفذها الأدميرال مدني في العام الأول لوصول رجال الدين إلى السلطة بقيادة الخميني، وراح ضحيتها ما يقارب ٤٠٠ متظاهر كانوا يطالبون بالحقوق المدنية والحكم الذاتي لإقليم الأحواز. ولم تتوقف سياسة القمع عند هذه المجزرة، بل تلتها مجزرة انتفاضة نيسان عام ٢٠٠٥، ثم مجزرة معشور عام ٢٠١٩، إلى جانب عشرات المجازر الأخرى التي يطول المجال لذكر تفاصيلها.
ولم تقتصر الانتهاكات على القتل الجماعي، بل امتدت إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري واغتيال النشطاء داخل السجون السرية وخارجها، بل وحتى في المشافي، كما حدث للشاعرين الوطنيين ستار صياحي وحسن حيدري، اللذين توفيا في ظروف غامضة عقب خروجهما من المستشفى، الأمر الذي أثار شكوكًا واسعة حول تعرضهما لعمليات تصفية.
وتكشف التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية، مثل المنظمة الأحوازية لحقوق الإنسان والمنظمة الأحوازية للدفاع عن حقوق الإنسان، عن وجود شبكات من السجون السرية ومراكز الاعتقال في إقليم الأحواز، تستخدمها السلطات الإيرانية لإخفاء النشطاء السياسيين والمعارضين قسرًا، في انتهاكٍ صارخ للحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق والقوانين الدولية.
وفي ظل غياب أي رادع إقليمي أو دولي يضع حدًّا لما تمارسه السلطة المركزية في الدولة الإيرانية الحديثة بحق الشعب الأحوازي، يبقى هذا الشعب الأعزل عالقًا بين مطرقة الجرائم الممنهجة التي تستهدف وجوده وهويته، وسندان اللامبالاة الدولية التي أسهمت، بصمتها وتقاعسها، في استمرار هذه الانتهاكات لعقود طويلة.
وفي الختام، نأمل أن تسهم التطورات الأخيرة و الراهنة في التوتر بين إيران والولايات المتحدة والمجتمع الدولي في إعادة تسليط الضوء على ملف حقوق الإنسان داخل إيران، وفي مقدمتها الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الأحوازي، بما يفتح المجال أمام تحقيقات دولية جادة ومساءلة المسؤولين عنها.
إن استعراض هذا السجل الطويل من الجرائم والانتهاكات لا يهدف إلى استحضار الماضي فحسب، بل إلى توثيق حقائق تاريخية وقانونية تستوجب المساءلة، وتؤكد أن معاناة الأحوازيين ليست حوادث متفرقة أو تجاوزات فردية، وإنما تمثل نمطًا مستمرًا من السياسات التي تستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومحاسبة المسؤولين عنها وفق أحكام القانون الدولي. كما أن إنصاف الضحايا وحماية الحقوق الأساسية للشعب الأحوازي لم يعودا مجرد مطلب إنساني، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يقع على عاتق المجتمع الدولي، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ويحول دون استمرار الإفلات من العقاب وتكرار هذه الجرائم في المستقبل.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.