مضيق هرمز: من أمجاد مملكة عربية إلى رهانات الصراع الدولي/ حامد الكناني

مركز دراسات عربستان الأحواز- عاد مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث الدولية بوصفه أحد أخطر بؤر التوتر في العالم، بعد أن نقلت القيادات الإيرانية، بشكل متعمد، مسرح التصعيد العسكري من العاصمة طهران إلى هذا الممر البحري الحيوي. فقد أقدمت بحرية الحرس الثوري الإيراني على تلغيم المضيق عبر نشر الألغام البحرية، ما جعله منطقة شديدة الخطورة تُهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتعرقل تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.ويهدف هذا التصعيد إلى رفع تكاليف النقل وأسعار الطاقة، واستخدام المضيق كورقة ضغط غير مشروعة، لا على طرف بعينه، بل على مجمل أسواق الطاقة والتجارة العالمية. كما أن الألغام المنتشرة في مياهه لا تستهدف ناقلات النفط فحسب، بل تهدد جميع أشكال الملاحة، ما يجعل الممر غير آمن حتى للسفن التجارية الصغيرة وقوارب الصيد المحلية.

في المقابل، أعلنت فرنسا وعدد من الدول الأوروبية جاهزيتها لضمان أمن الملاحة في المضيق، في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات هذا التهديد على التجارة العالمية. ووفقًا لما نقلته وكالة رويترز، أكدت باريس أن دولًا أوروبية، من بينها بلجيكا وهولندا، تمتلك القدرات العسكرية واللوجستية اللازمة لإزالة الألغام وتأمين مرور السفن.

كما أوضحت وزيرة الدفاع الفرنسية أن هذه الخطوة تُعد “إجراءً غير تدخلي يهدف إلى ضمان العبور الآمن”. وفي السياق ذاته، تستعد فرنسا والمملكة المتحدة لعقد اجتماع دولي بمشاركة نحو أربعين دولة، لبحث آليات استعادة حرية الملاحة في هذا الشريان البحري الحيوي.

هذا التطور أعاد إلى الأذهان الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط والغاز المسال في العالم، ما يجعله أحد أكثر الممرات المائية حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي. غير أن أهمية المضيق ليست وليدة الحاضر فقط، بل تضرب بجذورها عميقًا في التاريخ، حين كان مركزًا لحضارة بحرية عربية ازدهرت لقرون قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية.

تاريخيًا، ارتبط اسم هرمز بالملاحة والتجارة منذ العصور القديمة. وتورد الدراسات التاريخية، ومنها كتاب سلطنة هرمز العربية: سيطرة سلطنة هرمز العربية على الخليج العربي، أن المضيق عُرف منذ رسو أسطول الإسكندر المقدوني بقيادة نيارخوس في هذه المنطقة، وأن اسمه ارتبط في الحضارة اليونانية القديمة بـ”هرميس”، إله التجارة والبحارة وحامي القوافل والممرات المائية. لكن المضيق بلغ ذروة مجده في ظل مملكة هرمز العربية، التي قامت ككيان عربي مستقل وازدهرت بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين.

كانت مملكة هرمز تمثل قوة بحرية وتجارية كبرى في الخليج العربي، وتمكنت من بناء نفوذ واسع امتد من شط العرب شمالًا إلى رأس مسندم جنوبًا، وسيطرت على أجزاء من الساحلين الشرقي والغربي للخليج. وقد اشتهرت بتجارة الخيول العربية الأصيلة مع الهند، وبكونها محطة رئيسية تمر عبرها البضائع القادمة من الهند وبلاد فارس وشرق أفريقيا. الرحالة الإيطالي الشهير ماركو بولو وصف هرمز بأنها “مدينة عظيمة ونبيلة على البحر”، بينما تحدثت عنها مصادر روسية وإنجليزية باعتبارها مدينة تجارية عالمية تعج بالبضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم.

ولم يكن ازدهار هرمز قائمًا على التجارة فقط، بل على قوة بحرية عربية فرضت الأمن في الخليج العربي لعقود طويلة، وأسست لشخصية سياسية مستقلة بعيدة عن الهيمنة الخارجية. ويؤكد عدد من المؤرخين أن مؤسس هذه المملكة كان شيخًا عربيًا من عمان أسس في هرمز حكمًا عربيًا مزدهرًا، فيما تشير بعض الروايات إلى أن حكامها ينحدرون من قبائل الأزد العمانية، وقد ضربوا العملة باسمهم وأداروا شبكة تجارية واسعة كانت تربط الخليج بالمحيط الهندي.

غير أن هذه الحقبة الذهبية انتهت بشكل مأساوي مع التوسع البرتغالي في المنطقة. ففي مطلع القرن السادس عشر، استولى القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك على هرمز، لتدخل المملكة العربية تحت الهيمنة البرتغالية، قبل أن تنتزعها الدولة الصفوية عام 1622م بتحالف مع الإنجليز. لكن ما تلا ذلك كان بداية انهيار اقتصادي وسياسي حاد؛ إذ تعامل الصفويون مع هرمز بعقلية عسكرية بحتة، ففرضوا الضرائب الباهظة، وضيقوا على التجار، وحولوا المنطقة إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى تراجع دورها التجاري وانهيارها التدريجي.

ومع انهيار الدولة الصفوية لاحقًا، دخلت المنطقة في مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار، ما فتح الباب لتنافس القوى الدولية على السيطرة على المضيق. الوثائق البريطانية في أوائل القرن التاسع عشر تكشف بوضوح إدراك القوى الأوروبية لأهمية هرمز الاستراتيجية؛ فقد كانت بريطانيا ترى أن السيطرة على المضيق تعني التحكم بخطوط التجارة البحرية في الخليج والمحيط الهندي، وكانت تتحرك عسكريًا لمنع أي قوة منافسة من التمركز في جزر هرمز وقشم وبندر عباس.

اليوم، وبعد مرور قرون على سقوط مملكة هرمز العربية، يعود المضيق ليصبح محورًا للصراع الدولي، لكن في سياق مختلف. فالتوتر الراهن لا يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل يتصل مباشرة بأمن الطاقة العالمي، وبالتوازنات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا وإيران. أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق يعني ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط والغاز، واضطرابًا في سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يفسر التحرك الأوروبي المتسارع لحماية هذا الممر الحيوي.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن إعلان الدول الأوروبية استعدادها لتأمين المضيق يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن هرمز لم يعد قضية إقليمية تخص دول الخليج وحدها، بل تحول إلى مصلحة دولية مباشرة. فحين تعلن أكثر من عشرين دولة استعدادها للمشاركة في تأمين المضيق، فإن ذلك يعني أن أي تهديد هناك قد يشعل أزمة اقتصادية عالمية وربما يفتح الباب أمام صدامات عسكرية أوسع.

وبينما تتسارع التحركات الدولية، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل يتحول مضيق هرمز إلى شرارة مواجهة دولية جديدة؟ إن التاريخ الطويل لهذا المضيق يثبت أن من يسيطر عليه يمتلك نفوذًا واسعًا على التجارة والطاقة في العالم. ومن هنا فإن التنافس على هرمز ليس مجرد صراع على ممر مائي ضيق، بل هو صراع على مفصل حيوي من مفاصل الاقتصاد العالمي.

لقد كان مضيق هرمز يومًا عنوانًا لمجد عربي بحري وتجاري امتد قرونًا، قبل أن يتحول إلى ساحة تنازع بين القوى الإقليمية والدولية. واليوم، يقف المضيق مجددًا عند مفترق طرق خطير: إما أن يبقى ممرًا آمنًا للتجارة العالمية، أو أن يتحول إلى بؤرة نزاع قد تتجاوز آثارها حدود الخليج لتطال العالم بأسره.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑