حين نلج تاريخ الأحواز من بوابة الوثائق، لا نكون أمام سرد عابر لأحداث متتابعة، بل أمام رحلة عميقة في طبقات السياسة والهوية والسيادة والمقاومة، رحلة تكشف كيف تشكلت إمارة عربية في جنوب غرب الإقليم، وكيف رسخت وجودها لعقود طويلة، وكيف تعرّضت في النهاية إلى الاحتلال بفعل تقاطع المصالح الدولية والإقليمية، ثم كيف ظل شعبها متمسكاً بهويته العربية رغم كل ما تعرض له من قمع وتغيير ديموغرافي وسياسات تفريس. ومن هنا تأتي أهمية كتاب “الأحواز.. وثائق الاحتلال وسجلات المقاومة” بوصفه عملاً يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، مسلطاً الضوء على حقبة الشيخ خزعل بن جابر الكعبي، الذي يعد آخر حكامها العرب قبل الاحتلال الإيراني عام 1925، وعلى الجذور القبلية والسياسية التي سبقت تلك اللحظة، وما أعقبها من نضال طويل لم ينقطع.
تبدأ هذه الرحلة من الجذور الأولى، حين أخذت قبائل بني كعب موقعها في الأحواز منذ منتصف القرن السابع عشر، مستفيدة من قوتها البشرية والعسكرية ومن قدرتها على التمدد داخل بيئة مضطربة سياسياً ومتغيرة باستمرار. لم تكن بني كعب مجرد قبيلة استوطنت الأرض، بل تحولت مع الزمن إلى قوة منظمة استطاعت فرض حضورها على جغرافيا واسعة، مستفيدة من ضعف قوى محلية أخرى وانشغال بعض الحكام بصراعاتهم الداخلية. ومع تصاعد هذا الحضور، برزت الحاجة إلى مركز سياسي واضح، فجاء تأسيس مدينة المحمرة عام 1812 على يد الشيخ يوسف بن مرداو بوصفه لحظة تأسيسية فارقة، إذ تحولت المدينة لاحقاً إلى عاصمة لكيان سياسي عربي أخذ يبلور شخصيته المستقلة تدريجياً.
غير أن نشأة هذا الكيان لم تكن معزولة عن التوترات الداخلية في البنية القبلية نفسها. فقد أدى الانقسام بين فرعي بني كعب، آل بو ناصر في الفلاحية وآل بو كاسب في المحمرة، إلى ولادة تنافس حاد على الزعامة والشرعية. ومع أن الرابطة القبلية كانت يفترض أن تؤسس لتماسك داخلي، فإن الوقائع تشير إلى أن هذا الانقسام تحول إلى خصومة مفتوحة، وخصوصاً بعد أن رأى آل بو ناصر في صعود آل بو كاسب نوعاً من انتزاع السلطة التاريخية منهم. وعلى هذا الأساس، لم يكن تأسيس المحمرة مجرد نشوء مدينة جديدة، بل كان إعلاناً عن انتقال مركز الثقل السياسي من الفلاحية إلى المحمرة، وعن تشكل إمارة لها مشروعها الخاص وتحالفاتها الخاصة وضروراتها الدفاعية الخاصة. وقد استثمر الشيخ جابر بن يوسف لاحقاً هذه التناقضات بمهارة، فتمكن من توحيد معظم قبائل بني كعب تحت سلطته، مستنداً إلى قوة داخلية وإلى توازنات إقليمية سمحت له بتثبيت حكمه.
وتأتي سنة 1857 لتشكل محطة مفصلية في هذا المسار، حين صدر المرسوم الملكي من ناصر الدين شاه معترفاً بإمارة المحمرة للشيخ جابر ولأبنائه من بعده. هذا المرسوم لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل مثّل في نظر المصادر وثيقة اعتراف سياسي وإداري ومالي ذات أهمية كبرى. فقد أقر بحق الوراثة في سلالة الشيخ جابر، ومنح الأمير صلاحيات واسعة في إدارة الأمن وتعيين حكام المقاطعات وجمع الضرائب، كما أبقى الجمارك تحت إدارته الفعلية، حتى وإن ظلت مرتبطة بالدولة الفارسية اسمياً. والأهم من ذلك أن المرسوم حدد دور المندوب الإيراني في المحمرة بدور تجاري محدود، من دون أن يمنحه سلطة تنفيذية أو إدارية داخل الإمارة. وبهذا المعنى، لم تكن العلاقة مع طهران علاقة اندماج إداري مباشر، بل أقرب إلى علاقة اسمية ورمزية، بينما كانت السلطة الحقيقية على الأرض بيد حاكم الإمارة.
ومن هنا تبلورت الملامح الأساسية لاستقلال المحمرة قبل عام 1925. فقد تمتعت الإمارة بكيان سياسي وإداري واضح، وبسياسة داخلية وخارجية مستقلة في ممارستها الفعلية، وكان للشيخ خزعل في ما بعد رئيس وزراء ووزير خارجية، وهي بنية لا تتوافق مع مجرد ولاية تابعة، بل مع كيان يمارس وظائف الدولة. كما أن القضاء والأمن والعرف المحلي كانت كلها تدار ضمن منظومة مستقلة، يتصدرها الأمير، وتستند إلى أعراف المجتمع العربي ومؤسساته التقليدية. أما من الناحية المالية، فقد كان الشيخ هو المسؤول عن فرض الضرائب وجمعها، وكانت واردات الإمارة تصب في خزينتها الخاصة، بينما اقتصرت العلاقة المالية مع طهران على مبالغ رمزية أو هدايا سياسية تُرسل لملوك القاجار والوزراء لضمان حسن العلاقة وكسب التأييد في وجه الأخطار الإقليمية، ولا سيما العثمانية.
ويبدو الاستقلال المالي أكثر وضوحاً في ملف الجمارك، إذ كانت جمارك المحمرة تحت إدارة موظفي الشيخ نفسه، ولم تكن خاضعة للسلطات الإيرانية المركزية. حتى حين جرى عام 1900 الحديث عن رهن جمارك إيران لصالح قروض روسية، برزت جمارك المحمرة كحالة مستثناة لأنها لم تكن في قبضة المركز. كما أن الشيخ خزعل كان يتصرف بأراضي الإمارة بيعاً وتأجيراً، ويبرم العقود التجارية والنفطية بصفته صاحب السيادة الفعلية عليها. وهذا يبرز في الاتفاقات التي أبرمها مع شركة النفط البريطانية لبناء مصفاة عبادان ومد الأنابيب واستثمار الحقول، من دون وساطة من طهران ومن دون خضوع لقرارها المباشر.
أما على الصعيد الدولي، فتكشف الوثائق عن مشهد سياسي بالغ الدلالة. فقد امتلكت دول كبرى مثل بريطانيا وروسيا قنصليات في المحمرة والأحواز، وكانت هذه القنصليات ترتبط مباشرة بحاكم الإمارة، وتعقد معه التفاهمات وتتابع مصالحها عبره، لا عبر طهران. وهذا الشكل من التمثيل والعلاقات يعكس بوضوح اعترافاً ضمنياً، بل أحياناً صريحاً، بخصوصية الإمارة واستقلالها العملي. ولعل أكثر ما يلفت في هذا السياق هو طبيعة دور المندوب الإيراني المقيم في المحمرة، إذ كان تابعاً لوزارة الخارجية الإيرانية لا لوزارة الداخلية، وهو ما يجعل موقعه أشبه بموقع ممثل دبلوماسي لدى كيان خارجي، لا موظفاً إدارياً في محافظة داخلية. وكانت تقاريره ترفع إلى وزارة الخارجية مباشرة، وكان لا يستطيع التنقل في مناطق الإمارة إلا بإذن من الشيخ، كما لم يكن يملك سلطة التدخل في شؤون الأمن أو الإدارة أو القضاء. وقد اعترفت بعض تقاريره نفسها بعجز الحكومة الإيرانية عن بسط سلطة فعلية هناك، وبأن الشيخ خزعل يدير إمارته بمنطق الدول المستقلة.
وفي هذا الإطار تصعد شخصية الشيخ خزعل بن جابر الكعبي إلى واجهة المشهد بوصفها الشخصية المحورية في تاريخ الإمارة الحديث. فقد تولى الحكم عام 1897 بعد مقتل أخيه الشيخ مزعل، وبرز سريعاً بوصفه حاكماً قوياً واسع النفوذ، استطاع أن يحول الإمارة إلى كيان مستقر وفاعل في محيطه. كان الشيخ خزعل، وفق ما ترويه المصادر، يمسك بكل مفاصل الحياة في الأحواز، من الأمن إلى القضاء، ومن الإدارة إلى الاقتصاد، وكان يفاخر بتحقيق الأمن والطمأنينة في إمارته في زمن كانت تعاني فيه بقية مناطق إيران من الاضطراب والنهب والفوضى. ولم يكن حضوره مقتصراً على الداخل، بل كانت له مكانة عربية ودولية لافتة، حتى وُصف في الصحافة الغربية بأنه حاكم مملكة صغيرة مستقلة تقريباً.
وقد تعززت هذه المكانة من خلال شبكة واسعة من التحالفات والعلاقات الإقليمية والدولية. كانت علاقته ببريطانيا في قلب هذه الشبكة، لكنها لم تكن وحدها. فقد ربطته أيضاً علاقات متينة بحكام الكويت وبالملك عبد العزيز وبالملك فيصل وبعدد من أقطاب المنطقة، وكان يؤدي في أحيان كثيرة دور المصلح والوسيط بين الفرقاء. أما في علاقته بالقاجاريين، فقد جمع بين الولاء الشكلي والدعم المالي والقدرة على حفظ مسافة سيادية واضحة. وتشير المصادر إلى أنه كان من أبرز حلفاء الشاه أحمد قاجار، بل من ممولي رحلاته إلى أوروبا، وأن البلاط القاجاري كان ينظر إليه بوصفه أميراً أميناً يتمتع بصلاحيات واسعة. لكن هذا التوازن نفسه سيتحول لاحقاً إلى عنصر توتر بعد صعود رضا خان، الذي رأى في ولاء الشيخ للقاجاريين عائقاً أمام مشروعه.
وكانت بريطانيا، قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها بقليل، تتعامل مع الشيخ خزعل تعاملاً يقترب من الاعتراف بحاكم مستقل. فقد عقد معها معاهدات واتفاقيات مباشرة شملت جوانب الحماية والسياسة والاقتصاد والنفط. ومن أبرز هذه الوثائق ضمانات عام 1914، التي تعهدت فيها بريطانيا بحمايته ومساندته ضد أي قوة تحاول النيل من سلطته أو من حكمه، بصرف النظر عن طبيعة الحكومة القائمة في طهران. كما اعترفت له بحقوقه على الأراضي وتعهدت بإعادة ما تستثمره الشركات البريطانية له أو لورثته بعد انتهاء العقود. ومن جهة أخرى، نال من بريطانيا أوسمة رفيعة، وأقيمت له احتفالات رسمية، من أشهرها حفل منحه وسام القيادة عام 1910 على متن الباخرة “لورنس”، حيث ألقيت الخطب وأطلقت المدفعية التحية له، في مشهد يعبّر عن مكانته لدى الإمبراطورية البريطانية.
لكن النفط كان العامل الأكثر حسماً في هذه العلاقة. فقد أدى اكتشاف النفط في مسجد سليمان عام 1908 إلى قلب الموازين كلها. في البداية منح النفط الشيخ خزعل موقعاً أكبر، إذ صارت شركات النفط والبريطانيون يتعاملون معه بصفته الطرف الضامن للاستثمار والاستقرار. دخلت شركة النفط الأنجلو-فارسية في مفاوضات مباشرة معه عام 1909 لشراء أراضٍ في عبادان وبناء المصفاة ومد الأنابيب، وكان رجال الشيخ يتولون حماية المنشآت النفطية لقاء أجور تدفعها الشركة مباشرة لمكتبه. كذلك منح امتيازات تتصل بالغاز والملاحة وغيرها. غير أن النفط الذي عزز مكانته أول الأمر، تحول لاحقاً إلى السبب الأعمق في زوال استقلال الإمارة. فحين أصبحت حقول الأحواز مورداً حيوياً للصناعة البريطانية وللقدرة العسكرية في المنطقة، بدأت لندن تنظر إلى الاستقرار بعيد المدى من زاوية مختلفة: لم تعد ترى في الحاكم المحلي المستقل أفضل ضمانة، بل في دولة مركزية قوية في طهران تستطيع تأمين العقود والإنتاج وتمويل جيش يحمي المصالح الغربية.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً في هذه الرحلة، وهي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية وصعود الخطر السوفييتي. لقد أدى انهيار الدولة العثمانية إلى تغيير عميق في التوازنات. فإمارة المحمرة التي كانت تتحرك سابقاً بين ضغوط عثمانية وفارسية وبريطانية، وجدت نفسها فجأة في عالم جديد يتشكل وفق صراع دولي أشد اتساعاً. بعد الثورة البلشفية عام 1917، رأت بريطانيا أن التهديد الأكبر لم يعد عثمانياً، بل سوفييتياً، وأن حماية النفط والخليج والهند تتطلب بناء “سد منيع” في إيران. ومن هنا نشأت فكرة دعم سلطة مركزية إيرانية قوية، قادرة على قمع الأقاليم والقوميات غير الفارسية، وتأمين تدفق النفط، ومنع أي فراغ يمكن أن ينفذ منه النفوذ السوفييتي.
وفي هذا السياق يظهر الجنرال البريطاني آيرونسايد بوصفه أحد مهندسي التحول الكبير. تشير المصادر إلى أنه اختار رضا خان من بين ضباط القوزاق، ورأى فيه الرجل المناسب لإقامة دكتاتورية عسكرية تؤمن المصالح البريطانية وتتيح للقوات البريطانية الانسحاب من إيران من دون “وجع رأس”، بحسب تعبيره. وقد نسق آيرونسايد مع المسؤولين البريطانيين في طهران، وعقد لقاءات مباشرة مع رضا خان، وساعد في تهيئة الشروط العسكرية والسياسية لانقلاب عام 1921، الذي أطلق صعود هذا الضابط إلى واجهة السلطة. لم يكن الهدف مجرد تغيير حكومة، بل بناء مشروع جديد للدولة الإيرانية المركزية، وهي دولة لن يكون لها أن تقوى، في المنطق البريطاني، من دون ضم الأحواز والسيطرة على نفطها.
والمفارقة التي تكشفها الوثائق أن الاتحاد السوفييتي لم يقف في الاتجاه المعاكس كما قد يُتوقع، بل مال أيضاً إلى دعم صعود رضا خان، بناءً على قراءة اعتبرت الشيخ خزعل مجرد أداة بريطانية. وهكذا التقت مصالح القوتين الكبريين، ولو من منطلقات مختلفة، على إنهاء الكيان العربي المستقل في الأحواز. فبريطانيا أرادت إيران قوية تحمي النفط من الشيوعية، والسوفييت رأوا في ضرب الشيخ خزعل إضعافاً لنفوذ خصمهم البريطاني. وبين هذين التصورين، وجدت الإمارة نفسها معزولة في لحظة تاريخية لم تكن أدواتها التقليدية، القبلية والإقطاعية، كافية لفهمها أو التصدي لها.
ومع تبلور هذا التحول، بدأت بريطانيا تتراجع عملياً عن وعودها لحليفها القديم. صحيح أن الشيخ خزعل ظل يثق طويلاً بتحالفه معها، بل ويظن أن ما من قوة قادرة على الانقضاض عليه في ظل تلك الضمانات، إلا أن الوقائع كانت تتغير من حوله بسرعة. راحت بريطانيا تهيئ المسرح لسلطة رضا خان، وسيطرت على قرارات القوى المجاورة بما يحول دون تقديم أي دعم فعلي للشيخ من حلفائه في الكويت أو العراق أو غيرهما. كما برز العقيد فضل الله زاهدي بوصفه الأداة التنفيذية للمخطط، وهو ضابط لعب دوراً مباشراً في العمليات القمعية وفي احتلال الأحواز لاحقاً.
ثم جاءت ليلة التاسع عشر إلى العشرين من نيسان/أبريل 1925، الليلة التي تحولت فيها الخديعة إلى خاتمة لحكم عربي دام عقوداً. لم تسقط المحمرة في معركة فاصلة ولا في حصار طويل، بل سقطت عبر “وليمة العشاء الغادرة”. فقد دعي الشيخ خزعل إلى عشاء على ظهر يخته الخاص “الفيلية” الراسي في شط العرب مقابل قصره، وكان بين الضيوف فضل الله زاهدي وضباطه. وهناك، وفي ظل أجواء الضيافة والثقة، انقض الضباط الإيرانيون عليه وعلى حرسه، وتمت السيطرة عليه بسرعة وبحيلة مسبقة الإعداد، ثم اقتيد مع أبنائه تحت جنح الظلام إلى خارج الأحواز باتجاه طهران. كانت تلك العملية، كما تبرزها المصادر، أكثر من مجرد اعتقال؛ كانت إسقاطاً رمزياً وفعلياً لكيان سياسي كامل، وفتحاً لباب جديد هو باب الاحتلال المباشر وإنهاء الحكم العربي.
وفي طهران تبدأ مرحلة أخرى من المأساة. قضى الشيخ خزعل سنواته الأخيرة رهن الاحتجاز المنزلي من عام 1925 حتى عام 1936، وتعرض خلال هذه المدة إلى الإذلال والتنكيل. مُنع من ارتداء زيه العربي في بعض المناسبات، ورُفض طلبه بالسفر للعلاج في أوروبا، وجرى التعامل معه بوصفه بقايا زمن ينبغي محوه. ثم انتهت حياته باغتياله داخل محبسه عام 1936، في عملية تشير الوثائق إلى أنها كانت مدبرة ومنفذة بأوامر مباشرة من رأس النظام. ولم تتوقف القصة عند الجريمة نفسها، بل استمرت في ما كشفه أبناؤه لاحقاً حين سعوا قانونياً إلى تتبع الجناة وكشف تفاصيل القتل والمبالغ التي صرفت للمنفذين. وهكذا لم يكن اغتيال الشيخ خزعل حادثة معزولة، بل الحلقة الأخيرة في مشروع يهدف إلى إغلاق صفحة الحكم العربي نهائياً ودمج الإقليم في الدولة الإيرانية المركزية الحديثة.
ومع سقوط الإمارة، بدأ فصل آخر من تاريخ الأحواز، هو فصل المقاومة. لم يقبل الشعب الأحوازي الأمر الواقع، ولم يتعامل مع الاحتلال بوصفه حدثاً عابراً يمكن التكيف معه. بعد أشهر قليلة فقط اندلعت ثورة الغلمان في المحمرة، حين تمكن رجال من خاصته ومجموعات من المقاتلين من السيطرة على المدينة لفترة وجيزة قبل أن تستعيدها القوات الإيرانية بالقوة والقصف. وتلت ذلك انتفاضات قبلية وشعبية في مناطق متعددة، عبّرت جميعها عن رفض قاطع لضم الإقليم وعن رفض مشروع طمس الهوية العربية.
ولم تكن المقاومة عسكرية فقط، بل كانت أيضاً ثقافية وسياسية واجتماعية. فمنذ اللحظة الأولى أدرك الأحوازيون أن المسألة لا تتعلق فقط بتغيير حاكم أو انتقال سلطة، بل بمحاولة شاملة لإعادة صياغة الإقليم ديموغرافياً وثقافياً ولغوياً. ولذلك اتخذ النضال أشكالاً متعددة عبر العقود: من الانتفاضات المسلحة، إلى تأسيس التنظيمات السياسية والقومية، إلى العمل الإعلامي والثقافي، إلى التمسك بالزي العربي واللغة العربية والذاكرة التاريخية. وقد وثقت المصادر استمرار هذه الحركة في مراحل مختلفة، من ثورات الأربعينيات إلى التنظيمات القومية في الخمسينيات، ثم إلى أدوار لاحقة في مواجهة الحكم الإيراني الحديث وسياسات التفريس.
ويكتسب هذا النضال أهميته من كونه لم ينطلق من فراغ، بل من ذاكرة تاريخية تؤكد، بحسب الوثائق الواردة في الكتاب، أن الأحواز قبل 1925 لم تكن مجرد إقليم هامشي تابع، بل كانت كياناً يتمتع بدرجة عالية من الاستقلال السياسي والإداري والمالي والعسكري، وأن ما جرى عام 1925 لم يكن “استعادة سيادة” من قِبل طهران بقدر ما كان احتلالاً أنهى حكماً عربياً قائماً، بتواطؤ دولي واضح، وتحديداً بتخلي بريطانيا عن وعودها السابقة حين غلبت مصالح النفط ومقتضيات الصراع الدولي على كل التزاماتها الأخلاقية والسياسية.
ومن خلال هذا كله، يرسم الكتاب صورة مركبة لحقبة الشيخ خزعل، لا بوصفها مجرد سيرة رجل، بل بوصفها سيرة كيان كامل عاش لحظة ازدهار وسيادة، ثم وقع ضحية التبدلات الكبرى في النظام الدولي. فالشيخ خزعل يظهر في هذه الوثائق حاكماً عربياً واسع النفوذ، يجمع بين الحنكة السياسية والقدرة على بناء التحالفات، ويستند إلى قاعدة قبلية قوية، ويقود إمارة لها مؤسساتها ومواردها وعلاقاتها الخارجية. لكنه يظهر أيضاً بوصفه ضحية الثقة المفرطة في التحالف البريطاني، وضحية مرحلة تاريخية انتقلت فيها المنطقة من منطق الإمارات المحلية والتوازنات القبلية إلى منطق الدول القومية المركزية المصنوعة تحت إشراف القوى الكبرى.
وإذا كانت رحلة الغوص هذه تتوقف طويلاً عند الوثائق السياسية والمعاهدات ومراسلات القناصل وتقارير المندوبين، فإن جوهرها الأعمق يبقى في معنى الهوية والصمود. فالأحواز، كما تقدمها هذه النصوص، ليست فقط ساحة نزاع على حدود أو نفط أو سلطة، بل أرض شعب عربي قاوم محاولات الذوبان، وتمسك بتاريخه وذاكرته رغم محاولات المحو والتفريس. ومن هنا فإن “سجلات المقاومة” ليست مجرد ملحق على “وثائق الاحتلال”، بل هي الوجه الآخر للحقيقة التاريخية نفسها: إذا كان الاحتلال قد فرض واقعاً سياسياً بالقوة، فإن المقاومة حفظت المعنى التاريخي والإنساني والقومي لهذه الأرض.
إن “رحلة غوص معرفي” في هذا الكتاب تقودنا، في النهاية، إلى فهم أوسع من مجرد تسلسل الوقائع. إنها تكشف كيف تصنع الوثيقة التاريخية وعياً جديداً بالقضية، وكيف تعيد قراءة الماضي في ضوء ما حدث لاحقاً، وكيف يمكن لتفاصيل مثل إدارة الجمارك، أو تبعية المندوب الإيراني لوزارة الخارجية، أو معاهدة مع شركة نفط، أو تقرير قنصلي، أن تتحول إلى مفاتيح كبرى لفهم مصير شعب وإقليم بأكمله. ومن هذا المنظور، يبدو تاريخ الأحواز الحديث تاريخاً لصراع طويل بين سيادة محلية عربية راسخة في مجتمعها، وبين مشروع مركزي استند إلى القوة والغطاء الدولي لإلغائها، لكنه لم يستطع أن يقتلع جذورها من الوعي الجمعي.
وهكذا تنتهي هذه الرحلة وقد مررنا بمحطات الجذور القبلية، وتأسيس المحمرة، وتثبيت الوراثة والسيادة، وصعود الشيخ خزعل وتحالفاته، واكتشاف النفط، والتحول البريطاني، وصعود رضا خان، وليلة الغدر، والاحتجاز والاغتيال، ثم قرن كامل من المقاومة. إنها رحلة لا تقدم لنا الأحواز كقضية من الماضي، بل كقضية ممتدة، لا تزال الوثيقة فيها شاهدة، والذاكرة حية، والمطالبة بالحقوق مستمرة. وفي هذا تكمن قيمة الكتاب الذي بين أيدينا، إذ لا يكتفي بإعادة سرد التاريخ، بل يعيد ربط الحاضر بجذوره، ويمنح القضية إطارها التوثيقي والسياسي والإنساني في آن واحد.
وفي الختام، مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني، يشكركم لحُسن الاستماع والمتابعة، بأمل ان نلتقي بكم في رحلة غوص معرفية جديدة، نرعاكم بحفظ الله وامانته.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.