شعب بلا شاعر هو شعب مهزوم

 

(الشاعر یوسف السرخی)

 موقع بروال الاهواز-_ لنبدأ بهذه الكلمات:

_كان عندي إحساس بأن الزمن الشعري العربي واقف في مكانه و أن شعرنا في النصف الأول من القرن العشرين لا يختلف عن شعرنا في القرن الأول أو القرن الثاني أو العاشر…..

كأن ثمة تناقض مخيف بين زيها و سلوكها .حتي أمير الشعراء شوقي كان يتجول في بولفار شانزليزيه في باريس و هو ينتعل حف المتنبي  ويشرب النبيذ الإسباني في منفاه في غرناطه و يبكی علي المصر البعيده دموع البحتري….

إنتقلنا إلي المدينة و ظلت أوتاد البادية مدقوقة في أعماقنا و عرفنا أزهار المارغريت و البانسية و الغاردينيا و ظلت رائحة الرند و العرار متكمشة في رئتينا و سكنا أفخم الفيلات و الشاليهات و حمانا معنا ألي غرف نومنا نوقنا و ظبائنا ….

كانت القصيدة تعاني انفصاماً حاداً في الشخصية و كنت أحس و أنا أقرأ شعراء عصر النهضه أنني أحضر حفلة تنكرية و أن كل شاعر يستعير القناع ألذي يعجبه….

و في وسط هذه الحفلة التنكرية كنت أتساءل و أنا شاب يافع لماذا لا يكشف هؤلاء عن وجوههم الطبيعية و يتكلمون بأصواتهم الطبيعية ؟

و لماذا يستعيرون لغة الآخرين و عصر الآخرين ؟

(نزار قباني _مفاتيحي_هو الشعر قنديل أخضر_ 1963)

هذا ليس كلام ناقد أو باحث بل كلام شاعراً عاش الشعر العربي بلحمه و دمه .شاعراً ثائراً علي ما في نفسه و نفس كل عربي من شذوذ و تخلف و هو عملاق الشعر العربي الحديث نزار قباني .

هذا الجملات تتكلم عن الشعر العربي العام لكن لنقف لحظة ونطبق هذا الكلام علي الشعر ألذي يكتب في هذه البلاد اليوم و نحن نعيش القيم المدنية بعيدين عن القيم البدويه و القبلية…..

هناك الكثير من الشعراء و الكتاب و المثقفين أراهم اليوم و بعد ما ترعرعوا في المدينة و الحضارة المدنية لا يزالون حتي يومنا هذا ينعون المضيف المشيد بالقصب و مياه الأهوار و زورق الماطور و أكواب الشاي و ما شابه ذلك من ألذي لا نجده اليوم إلا في المتاحف

أو ذاكرة أجدادنا المتعبة كأفكارهم .

و كم من شعراء شباب تراهم شباباً في الملامح لكن خلف هذه الوجوه هناك شخصيات تمسك بعكازة و تجر علي أكتافها بيرق القبيلة و إرهابها…..

نعم .التراث جميل لكن كما يضيف الشاعر ثانية :

أنني أحترم التاريخ حين يكون شرارة تضيء المستقبل و لكنني أرفضه بعنف حين يتحول إلي نصب تذكاري أو إلي برشامة مكتوب علي غلافها الخارجي (ليس في الإمكان أبدع مما كان) و إذ كانت أشعار الأسلاف محطة من محطات تاريخنا هذا لا يعني أن نبقي محبوسين فيها إلي ما شاء الله .و إذا كانت الربابه إرثاً تاريخياً جميلاً .فلا يجوز أن تبقي نهاية الطرب :

(قالت لي السمراء_هو الشعر قنديل أخضر)

الحركة التقدمية في الأدب لاسيما الشعر لا تعني أبداً قذف الماضي بحجر و إعتباره متخلفاً بعيداً عن التطور و ….

و ليس هناك حركة تقدمية إلا وقد أخذت تجربة الماضي و إنجازاته وانطلقت بها إلي الأمام و نجحت.

لكن في وسط هذه الأصوات ألتي تؤيد الماضي بكل حماس وتدعوا إلي الرجوع إلي الوراء و إقتباس الحكمة من المضيف و الأصالة من القبيلة ما هو ذنب الشاعر ألذي لم يري  يوماً ملامح الهور و ليس بينه و بين خنازيره أية صلة.

و لم يجلس يوماً في المضيف القصبي و لم يستمع يوماً إلي كلام الشيخ الحكيم و أبوذياته و أمثاله البائدة .

و أيظاً لم يرقص يوماً تحت ظل البيارق.

ما هو ذنب الشاعر ألذي يرفض فكر القبيلة إتجاه الحب و المرأة و يجهر بإسم حبيبته في القصيدة و ليسه كالذين لا يزالون يرفعون تاء التأنيث خوفاً أو عيباً و إما تنكراً للجنس المخالف في قصائدهم .

هناك حقيقة بأن القبلية و الأعراف و الأفكار الرجعية لا زالت تسيطر علي معظم أدبنا و لم تدخل القصيدة الحياة الاجتماعية  الجديده و تسرع لشعبنا إجتياز المرحلة الانتقاليه من الحياة البدوية و القروية تحت ظل النظام الإجتماعي القبلي إلي الحياة المدنية .

الموضوع الآخر بأن معظم الشعر يدور حول مخاطبة الأشياء المجردة دون أن يخاطب الذات البشری .و أنا أعتقد بأن إصالة الإنسان في الشعر أهم من إصالة المجردات و ربما الماضي و …..

أنا أود حين أكتب قصيدة لا أريد أن أخاطب بها  الجدران و الأشجار و النهر الصامت و لا أكتب الشعر فقط لأجل الشعر . سئمت من مخاطبة الأشياء ألتي لا روح لها و لا قلب .

بلوقت ألذي يعيش الإنسان فيه حالةٌ مأساوية  .مريض الفكر و السلوك فمن مهام كل مثقف  و بالأخص الشاعر و الكاتب معالجته  و أيضاً تكمن هنا وظيفة الشعر و هو الأكثر تأثيراً في المجتمعات البشرية  عندما يكون تغييرياً و تحريضياً.

ولا ننسي هذه الحقيقة بأن المجتمع الإنساني يتأسس في الخيال قبل أن يتأسس علي أرض الواقع (ليس المعني بهذه الفكرة أن يكون هذا المجتمع  المدينة الفاضلة ألتي تبقي دائماً في الخيال بل المعني بها المجتمع الموحد ألذي يتغير دائماً إلي الأفضل .منطلقاً نحو الأمام)

و لا يكون الناس مجموعة إلا و أن يصبحون أولاً في خيالهم و أفكارهم مجموعة واحدة دون تشتت طائفي أو قبلي و هذه الصورة التي تتشكل في الخيال يصنعها الشعراء و الكتاب و الأدباء قبل تحقيقها علي أرض الواقع .

و هنا تكون مهمة الشاعر الحقيقي مهمة حياتية و مصيرية إتجاه الآخرين . و لا يهزم الشعب ألذي يوجد فيه شعراء هكذا .لأن كما قال الدرويش :

(شعب بلا شاعر ،هو شعب مهزوم )

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑