لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- حين تتعرض الأوطان للاحتلال يصبح كل شيء فيها معرّضًا للسرقة والطمس والنسيان. وعندما سقطت السيادة العربية في الأحواز عام 1925، وتعرّض هذا الوطن العربي لاحتلال عسكري فارسي، صودرت الحقوق، ونهبت الثروات، ومورست سياسات ممنهجة لطمس الهوية وقطع الصلة بالماضي.
وجاء هذا كله في توقيتٍ كان موازيًا لظهور الثورة الصناعية وتطور العالم والمنطقة العربية، الأمر الذي أدى إلى ضياع الكثير من التراث والموروث الشعبي الأحوازي، من موسيقى وفنون وتراث مادي وغير مادي، الذي نُهب وصودِر حتى من قبل بعض الأشقاء العرب. فقد كانت المحمّرة – التي عُرفت آنذاك بأنها عاصمة الموسيقيين والمطربين والفنانين العرب – ملتقىً لهم في عهد الشيخ خزعل. ومع ذلك صودرت منتجاتها الثقافية والفنية، ونُسب الكثير منها إلى دول أخرى قريبة، كالعراق والكويت على وجه التحديد، رغم أن جزءًا كبيرًا من الموروث الموسيقي العربي في تلك الدول تعود جذوره إلى المحمرة.
فكثير من الأغاني العراقية والكويتية القديمة، وإن أنشدها مطربون من تلك البلدان أو من سوريا، إلا أنها وُلدت في المحمرة وفي قصر الفيلية تحديدًا، وبتمويل من الشيخ خزعل بن جابر المرداو. وكانت المحمرة آنذاك ملتقىً لا يضم الموسيقيين والمطربين العرب فحسب، بل كان يحضرها أيضًا الفنانون الفرس، ومن بينهم الموسيقار المعروف تاج أصفهاني الذي اعتاد العزف مع فرقته في قصر الفيلية، وكذلك المطربة الإيرانية الشهيرة قمر الملوك وزيري التي كانت تُحيي حفلاتها في المدينة.
وكانت المحمرة محجًا للفنانين من مختلف الأقطار؛ فكان يأتي إليها الموسيقار السوري علي درويش من إسطنبول، وتأتي الفنانة بهية الحلبية من حلب، إضافة إلى مطربين من الموصل وجنوب العراق. وكان هذا التنوع الفني يعمل على دمج الموسيقى العربية بالفارسية والتركية، لذا أصبحت المحمرة المنتج الأساس لكثير من الموسيقى الرائجة اليوم في الوطن العربي وإيران. وقد شهدت المنطقة تبادلًا ثقافيًا واسعًا أثمر تراثًا مشتركًا لا يمكن نسبه لدولة واحدة دون غيرها.
إن الموروث الثقافي في العراق، وخاصة جنوبه، وفي الأحواز والبحرين والكويت، هو حوض ثقافي مشترك بين شعوب المنطقة، لا يخص دولة بعينها. ولذلك فإن التوجّه إلى المؤسسات الدولية وتسجيل هذا الموروث باسم دولة واحدة مع حرمان الآخرين منه، لأسباب سياسية خارجة عن إرادتهم، يُعد ظلمًا كبيرًا يتعرض له أبناء الأحواز.
ومؤخرًا أعلنت وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية إدراج أربعة عناصر تراثية ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، هي: البشت، والزفّة، ولعبة المحيبس، والكحل العربي. وقد اعتبرت الوزارة أن هذا الإنجاز يعكس حضور العراق المتجدد وجهودها في صون الموروث الوطني، مشيرةً إلى أن إدراج المحيبس بوصفها لعبة رمضانية عراقية خالصة يُعد إنجازًا نوعيًا، وأن العراق أسهم في ملف البشت ضمن عمل عربي مشترك، إلى جانب دعمه لملف الكحل التقليدي وطقوس الزفّة العربية.
لكن يبقى عتبنا على الإخوة في العراق، فهم يعلمون جيدًا أن الشعب العربي الأحوازي يمتاز أيضًا بهذه العناصر التراثية. فالبشت المعروف اليوم في الخليج وجنوب العراق هو في الأصل البشت الجاسبي المنسوب لجاسب بن الشيخ خزعل، ولي عهد الأحواز آنذاك. كما أن لعبة المحيبس منتشرة في الأحواز وتُمارس في العديد من الأحياء العربية الأحوازية. أما الكحل العربي فهو ليس للزينة فقط، بل يُستخدم في الأحواز علاجًا لحماية العين من شدة ضوء الشمس وكثرة الأشعة في المنطقة. وكذلك الزفّة الأحوازية معروفة وموثقة في مقاطع مصورة متداولة.
ولا يعني هذا أن هذه العناصر تراثٌ أحوازي خالص، بل إنها مشتركة مع العراق والكويت والبحرين ومناطق أخرى من شمال الخليج. ولهذا كنا نتمنى عند تسجيل هذه العناصر في اليونسكو أن تُذكر الشعوب التي تُمارس هذا التراث وتعدّه جزءًا أصيلًا من هويتها، حتى وإن كانت هذه الشعوب – وعلى رأسها الشعب العربي الأحوازي – تعيش اليوم ظروفًا خارجة عن إرادتها فُرضت عليها بالقوة.
ولم يقتصر الأمر على هذه العناصر الأربعة، بل ظهرت أيضًا محاولات لمصادرة الصوت العلواني، وهو لونٌ غنائي أحوازي أصيل ارتبط باسم منشده الراحل الفنان الأحوازي علوان الشويع. كما جرى التعدي على المقام الحويزي المعروف باسم رائده عبد علي بالرحمة الحويزي؛ إذ بدأ يُذكر في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية باسم “المقام الحسيني”، في محاولة لطمس هويته الحقيقية ونسبته إلى غير أهله، رغم أن اسمه الصحيح المتوارث هو المقام الحويزي.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.