قصة “السماچ” للكاتب “مجد” من مدينة المحمرة

 942346_10151671989809869_779093289_n“إلسماچ”                   

     کانوا البحاره الذين يعيشون على متن “لنج”
يرونه علي ضفاف الشط و  يلقبونه بال”سماچ” 
معظم الاحيان.
 لکنه لم يکن يملک لنجه و لم يکن بحارا حتي.
 ولکن کان يقضي کثير من وقته يصطاد السمک في الشط
 و کان معروفا عند البحاره لکثره قضاء وقته في اصطياد السمک.
 حتي انه کان يصطحب ابنته، غاليه، معه بعض الاحيان 
لانه لم يستطع ان يترکها في البيت لوحدها 
فکانت امها قد توفت عند ولادتها منذ سبعه سنين.
     کان هو و زوجته يواجهون صعوبه في الحصول علي طفل. 
لذلک کانوا موضوع حديث الناس طوال الوقت 
و کم کانت مولمه لهم هذه الاحاديث:
     _ اي ولله عيزت…عيزت من حچي الناس.
     _ آنه هم عيزت. بس خو شنسوي؟ خليهه عله الله.
     _ اي. الله کريم. الله کريم. بس اليمته
اليمته کون نتحمل هذه الحچي.
     کان ابوغاليه قد قرر مالفعل في هذا الصدد. 
ولکن لم يکن هذا الحل يعجبه. 
فوضع لقمه اخري في فمه و قال :
     _ سمعي اگلچ…
     _ها؟
     _آنه اريد آخذ مره
     فاجابت و هي مصفره ،
في عجب و اللقمه قريبه من فمها:
     _ تاخذ مره؟
     تفاجات بهذا القرار کثيرا. 
فهي کانت تعرف مدي حبه لها 
و کانت تظن انه لن يقدم علي شيئا کهذا.
 فمن بعد ذلک اليوم لم تترک شيئا و لم تفعله لتحقيق غايتها.
 فکانت تفعل اي شيء.
 حتي انها کانت تذهب الي ال”ملا” 
و تنتقل من واحد الي آخر
 و تسمع نصيحه هذه و تلک و هولاء و… . 
و کم بکت و دعت.
 فتاني ابوغاليه قليلا. و اجل قراره السابق.
 بعد فتره قليله حملت زوجته، 
فجاء اليوم المنتظر و حان مولد الولاده.
     کان البيت الصغير مکتظ بالنساء العده اللاتي جائن لمساعدتها علي الولاده.
 من ضمنهن اخت زوجته خيريه. 
کانت الارض تمتص خطوات ابوغاليه الذي کان يمشي ذهابا و ايابا بتوتر.
 و السماء ماطره. 
و فجاه بين الصرخات و صوت البرق سمع صوت بکاء. 
اراد ان يباشر بالدخول فنادي: 
     _ يا الله.
     فجاء الجواب : تفضل.
     عندما دخل راي زوجته غارقه في عرقها 
و تبدوا متعبه جدا ولکن کانت ابتسامه فرح علي شفتيها 
و کلام في عينيها فهمه هو فقط جيدا.
 الامراتان الاخريتان کانتا تحاولن وقف النزيف. 
لفت خيريه المولوده في بطانيه.
 کانت الطفله تبکي.
 اعطتها اليه. فسال و هو يبتسم:
     _ بت لو ولد؟
     _بت
     _الحمد لله و الشکر
     کان هذا ليکون خبرا محزنا اليه لولا ظروفه و ايمانه.
 فهو کان يعتقد ان ما قدره الله خيرا.
 فلم يکن يهمه ان کان المولود بنت او صبي
.نادته زوجته و سالته:
     _ شتسميهه؟
     فنظر الي الطفله ثم نظر الي زوجته قائلا:
     _غاليه
     نظرت اليه و هي مملوئه بالرضا و اغمضت عينيها.
     منذ ذلک الحين کثر تردده الي الشط.
 کان يحب الشط و اصطياد السمک حب جما. هو کان “فلاح”
 و کانت مصدر رزقه ارضا يملکها 
و يقضي معظم وقته بين الارض و الشط و المسجد.
 علي الرغم من انه کان في اواسط عمره
 او کما يصفونه الاصدقاء ” وسطه زلم” 
و يغطي محاسنه و شعر راسه الشيب، 
کان العمل في الفلاحه و التردد بالدراجه الهوائيه قد ابقياه قويا.
 تعود ان ياخذ ابنته کل صباح او ظهر الي المدرسه
 و ان يرجع ليجلبها من المدرسه کل يوم. 
و کان يتکلم معها عن المدرسه و تساله هي عن الشط 
و عما اذا کان قد اصطاد شيئاو عن حجم السمک.
 حتي انهم کانوا يغنون في طريق البيت بعض الاحيان. 
طريق البيت کان يقع علي ضفاف الشط 
و لهذا کانت الرحله محببه عند ابوغاليه. 
بالاخص في وقت العصر
 عندما تلمع امواج الشط الخفيفه 
تحت ضوء الشمس المقبل علي الغروب
     في ظهر احد الايام کان ابوغاليه قد انتهي من العمل في البستان،
 اوصل ابنته الي المدرسه و ذهب الي المسجد ليصلي صلاه الظهر. 
کانت الاحاديث في المسجد تختلف عن احاديث باقي الايام.
فکانت الاحاديث تدور حول حرب و قصف و هجوم 
ولکنه لم يبدي اهتماما بهذه الاقوال 
و ذلک کان حال اغلبيه الناس. 
فصلي، دردش مع الاصدقاء قليلا و رجع الي البيت. 
اخذ قيلوله و رتب البستان و البيت عندما صحي 
فجهز عده صيده و انطلق علي دراجته نحو الشط بنعومه.
 الطيور کانت قد صحت من قيلولتها ايضا 
و رافقته علي طريق الشط. 
راه احد البحاره عندما کان يترجل من الدراجه:
     _ الله ايجويک ابوغاليه.
     _ الله ايخليک. اشلونک؟
     _ ابخير. الحمد و الشکر
     _ ها؟ اشلون الصيد هليوم؟
     _ ولله الحمد لله. حلو. گاعد ايکضون خوش سمچ.
 بس خو مايوصلولک. انته “سماچ”نه
     فابتسم. اخذ عده صيده 
و جلس في مکانه المعتاد الذي يجلس کل مره عندما ياتي الي الشط. 
سلم علي الذين کانوا يصطادون فردوا عليه السلام.
 کانت بينهم وجوه مالوفه و اخري غير مالوفه 
و علي جانبيه کانوا جالسين اثنين من اصدقائه. 
کان هذا المکان المعتاد الذي يجلسون فيه عند الصيد.
 لعلمهم ان ابوغاليه سياتي و يجلس معهم.
 سال ابوغاليه:
     _ ها اشصدتم هليوم؟ فاجاب احدهما:
     _ ولله آنه کضيتلي خوش سمچات هليوم. حلوات. اکبار.
     فاجري عله لسانه الحمد لصيد اصدقائه 
و جهز عده صيده و وضع الطعم في الصناره. 
مسک العصاه بيده و قذف الصناره في الماء. 
طفت الفلينه علي سطح الماء و اخذ ينتظر.
 ينتظر حتي يتبدل حظ عاثر سمکه الي حظه الجيد.فناداه صديقه الثاني:
     _ ابوغاليه؟
     _ ها؟
     _ سمعت شيگولون؟
     _ شيگولون؟
     _ ايگولون ايريد ايصير حرب. العراق ايريد يهجم علينه.
     _ ها؟! يا هو گال؟
     _ الکل ايگولون. و بالتلبزون گايمه خبصه.
     فابتسم قائلا: لا بابا. لا تخاف. ماکو شي.
     و فيما کان يکمل کلامه شعر بالفلينه تنجرف فلم يتباطا في رفع العصاء.
کانت سمکه کبيره. 
اضخم من السمک الذي کانوا يصطادونه اصدقائه.
 ضحک و هو فرح و ضحک اصدقائه ايضا. 
جلس لساعه او ساعتين و نال نصيبه من السمک 
فالتفت نحو اصدقائه و سال:
     _ الساعه بيش؟
     _ بالاربعه و نص.
     _ يله جماعه. آنه اترخص.
     _ ها؟ وين؟
     _ کون اروح اييب بتي من المدرسه. فيمالله.
     _ راشده.
     فرکب دراجته و وضع السمک 
و عده الصيد في القسم الخلفي للدراجه و انطلق بهدوء. 
وصل الي المدرسه. 
حرکت غاليه يدها بغيه السلام عندما رات ابيها. 
رکضت نحوه من امام باب المدرسه 
و سلمت عليه.
 رفعها و وضعها في الامام علي الدراجه و انطلقا نحو البيت:
     _ يبه ؟
     _ ها يبه؟
     _ اشکضيت هليوم؟
     _ کضيت فرد سمچه اچبيره !
     _ صدق؟ اشکبرهه؟
     _ وايد چبيره. هسه انروح للبيت و اراويچ اياها.
 باچر هم اروح. اريد اذب سليه.
     _ اخذني اوياک.
     _ آنه کل وکت گاعد آخذچ اوياي.
بس هلنوبه ما ايصير. 
عندي کود وسايل و اريد ادش بالماي. 
ما اگدر. اوديچ البيت خاله خيريه
 اتلعبين اويه فطم.
     لم تحب الحل البديل. 
لکنها لم تکن لتفوت علي نفسها فرصه اللعب مع ابنه خالتها.
 فاخذت تغني بصوت خافت. 
کانما الاغاني التي کانت تغنيها امها 
و هي حامل بها کانت قد التصقت بروحها.
 في الطريق علي ضفاف الشط کانت الشمس تستعد للرحيل.
 فتنشر اضوائها الذهبيه في ذاکره الشط لتعلن له انها آتيه غدا. 
     صوت غاليه ذکره بصوت زوجته الجميل الحزين 
عندما کانت تقرا “دللول” في الليل جنبه للمولود الذي تنتظره.
 فيتامل الغروب و صوت ابنته يصحي الاحزان في خاطره.
 تغرور عيناه. يکاد ان يبکي و لکن يتنبه و يقول بصوت حنون:
     _ شنو علموکم هليوم بالمدرسه؟
     غد ذلک اليوم، الجمعه، 
صحي باکرا و عمل في البستان لساعه او ساعتين
 ثم ذهب ليصحي ابنته من النوم:
     _ غاليه؟ يبه ؟ 
گعدي خل آخذچ اتلعبين اويه فطم اببيت خاله خيريه. 
ما تريدين اتلعبين اوياها؟
     لم تجب. 
بل ادارت وجهها کانها لم تحصي 
او لا تريد ان تصحي بالاحري.
فقال لها مره اخري بحنان:
     _ يلا يبه. عيني. اريد اروح.
     سالت بنعاس: 
     _ وين اتروح؟
     _ اروح للشط.
     بدا کانما سکبوا مائا علي وجهها.
 افاقت و قالت:
     _ يبه؟ ليش ما تاخذني اوياک؟ عيني اخذني.
     _ گليتلچ  ما اگدر. 
يلا گومي غسلي وجهچ و اتريگي 
خاطر آخذچ البيت الخاله.
     نهضت خيبانه الامل و غسلت وجهها.
 اعد لها الفطور و صب لها فنجان شاي. 
فاخذت تهيي اللقم بيديها الصغيرتين
 و ينظر اليها ابيها و سبحه في يده. 
يهمس کلمات لم تفهمها. 
بعد ان انتهت من الفطور ذهبا الي بيت الخاله. 
ترجلت من الدراجه. ساعدها اباها. 
کان لم يکن شيئا علي ما يرام. 
لم تکن من قبل حزينه قط عندما کان ياتي بها الي بيت خالتها. 
کانت التساولات تجول في خاطره.
 و بين هذه التساولات ودعته ملوحه بيدها.
 ابتسم و ودعها هو ايضا و رکب الدراجه. 
جائت بنت خالتها. اخذت بيدها و رحلتا. 
ولکن کان خيط غير مرئي
 يربط عيونها بهيئه ابيها علي الدراجه و هو يبتعد بهدوء.
     عندما وصل الي الشط، راي الکثير من الرجال يصطادون. 
اختار لعده مکان قريب من الرجال و سلم. هيء “سليته” 
و ابتعد قليلا حتي لا يزعج الباقي بصيدهم. 
کانت السليه تنبسط علي الماء بشکل غير متناغم کل مره. 
نال نصيب قليل من السمک ذلک اليوم 
ولکن کان لا يزال يرجع الامل 
للحياه الي السمک الصغيره بقذفهن في الماء مجددا.
 کانت الاحاديث تختلف هذا اليوم. 
فکانت قد ظهرت طائرات حربيه في سماء بعض المدن. 
شعر بتوتر في خيوط السليه 
ولکن لم يبدو هذا الکلام جديدا له. 
قال احد الرجال: 
     _ الله يستر.
     قذف السليه. و عندما اصطمدت بالماء و توسعت.
 سمع دوي انفجار.
 بدا الکل يبحث عن مکان الانفجار.
 و کذلک ابوغاليه. 
لکنه لم يبقي ينظر مطولا.
 فهرع الي دراجته و ترک کل شيئ ورائه. 
کاد ان يقع عن الدراجه عند رکوبها 
بضعه مرات لاستعجاله و قلقه.
 هم الجميع بالرحيل.
 عندما اخذ يقترب من البيت 
راي عمود دخان متصاعد من حواليه. 
توقف للحظه
کانما لا يريد ان يصل الي هناک و يري ما حصل.
 نزل من الدراجه.
 بدا يحرک الدراجه معه علي الطريق. 
عندما بدا يقترب اکثر فاکثر سمع صوت بکاء و نحيب.
 سرع خطواته حتي رکب الدراجه مره اخري 
و راح يحرک رجليه المغطيتا بالطين علي الدواسات بسرعه.
 وصل…راي ابنته و بنت خالتها في حضن اخت زوجته مغطتا بالدم 
و هي تبکي و تنتحب عليهم.
 نزل من الدراجه ببطء
 و عيونه مسمرتان بخوف علي غاليه. 
     و آه کم کانت غاليه.
 فهي کانت امنيه. امنيه والديها. 
و استجابه دعوات و دموع امها. 
امنيه قبلت الموت لتحقيقها. 
کم اعمياء الذين يشنون الحروب.
 لم يعرفوا انهم قتلوا امنيه.برائه. 
و لن يعرفوا ابدا.
     کان لا يزال ينظر الي غاليه بعينين لا تتصف بالحزن 
ولکن شيء افظع و اثقل. 
کانت نظراته تشبه نظرات ميت ينظر الي اللامکان.
 مشي نحوها يذرف الدموع بصمت. مخنوق بدقات قلبه.
 کانت القذائف تتساقط في کل مکان و تتشظي صرخاتها علي الارض.
 ارتجفت شفتاه و ضعفت رجليه اکثر فاکثر 
و هو يقترب الي صوره تشبه الکوابيس.
 وقع. شکلت الدموع شطين علي وجنتاه 
و سالت علي الارض مازجه نفسها بالتراب و الدم. 
احتضن ابنته بقوه و صاح.
     _ ابنيتي… . ابنيتي…
     ارتعش کزلزال و نحب حتي انقطع صوته. 
و کانت لا تزال الصواريخ تسقط فيي ارجاء المکان. 
و الطائرات تحوم.
     الناس مستعده للرحيل، للهروب.
 ولکن ابوغاليه لم يحرک ساکنا. 
بل کان جالسا في البيت ليستقبل المعزين علي موت ابنته. 
کانوا ياتون ليشربوا الشاي و ليهربوا بعد ذلک. 
بعيدا عن هذا الکابوس الممتد و الجحيم المستعر.
 بعيدا عن مدينه سکنتها اشباح النخيل المحروقه.
 سالوه عما اذا کان يريد الخروج من المدينه
 ولکن کان وضعه مختلف. 
هم کان لديهم شيء ليهربوا منه. 
ولکن لم يکن له هو شيء ليهرب لاجله. 
کل شيء کان هنا في انتظار هادي.
 البيت، البستان، الشط 
و السماء المحتله من قبل الاعمياء و غروبها الدامي. 
کان لا يزال يذهب الي المسجد 
ولکن کان عدد الاشخاص المصلين يقل يوما بعد يوم 
حتي لم يبق شخصا غيره و الشيخ في المسجد.
 صلي و بعد اتمام الصلاه ناداه الشيخ:
     _ ابوغاليه؟
     _ نعم مولانا
     _ الديره خلت. محد بقي. آنه هم بقائي اهنا ما اله معني.
 گاعد ارتب اموري امشان اروح القم. 
               اشرايک لو تجي وياي؟
     فجاه سقط صاروخ قريب من المسجد. 
اهتز کل شيء و دخل غبار و دخان کثيفين من کل فتحه في المسجد. 
سعلا کلاهما و عندما انقشع الدخان و الغبار قال ابوغاليه
     _ آنه هم بعد ما الي ظله اهنا.
 کلشي صعب و خطر.
 وين ما اباوع اشوف غاليه.
 بالبيت ما اگدر اگعد.  
      انام بالحوش عله تخت الحديد. 
اغرورت عيناه. 
کاد ان يبکي فقال الشيخ:
     _ لا حول و لا قوه الا بالله
     جاء يوم الرحيل
کان هنالک عدد قليل من الناس في المحطه. 
تذکر ابوغاليه المره الوحيده التي ترک مدينته في طفولته 
عندما ذهب مع عائلته الي مشهد.
 و الان هذه هي المره الثانيه.
 مع ان الحياه کانت صعبه له الان فکان فراغها اصعب.
 ففيها تعيش طفولته و ذکرياته 
علي شوارع باتت الان محفوره و وراء جدران محروقه و مخروبه 
و تحت ظلال نخيل لم يتبقي سوي اشباحها الساکنه في اذهان اهلها.
 تذکر بيته.
 البيت الذي عاش فيه مع غاليه و ام غاليه و ذکراهما.
 و الارض.
 ودع کل اشياء التي کانت تصنع له موطن. 
شعر بثقل شديد في صدره و هو ينظر اليها لمره اخيره.
 شعر بيد عله کتفه
     _ ابوغاليه. 
ال”ميني باص” راح ايحرک. 
يلله خلينه نرکب.
     _ ييت شيخنه
     رفع حقيبته و تبع الشيخ الي الباص. 
جلس قرب النافذه و وضع حقيبته جنبه علي الکرسي.
 صاح السائق:
     _ همه سوار شدن؟
     اجابوه بنعم.
 فقال : “بسم الله” و شغل محرک السياره.
 تحرک الباص فصاح احدهم: 
“افلح من صلي علي محمد و آل محمد”. 
صلوا الاشخاص القليلون الموجودون في السياره 
صلوات خافته ممزوجه بحزن غامض شوشته اصوات الصواريخ. 
نظر ابوغاليه عبر النافذه و ودع مدينته بنظراته لاخر مره.
 انتبه الشيخ له و قال :
     _ لا تخاف. الحرب اتخلص.
     فابتسم و قال :
     _ انشالله. الله کريم.
     وصلوا الي قم. و بدات حياته الموقته. 
فلم يرضي ان يعيش في مکان واحد 
بل انتقل من مدينه الي اخري 
بحثا عن عمل او حياه او شيئا ما. شيء ک”موطن”.
 و لم يتوقف عن انتقالاته العديده حتي آخر يوم.
     انتهت الحرب اخيرا کما قال الشيخ. بعد ثمانيه اعوام.
 فبدا يهيئ نفسه للرجوع 
و بعد سنتين اصبح مستعدا للرجوع 
و ربما المدينه ايضا اصبحت اکثر استعدادا لاستقباله الان.
 کان کل ما يملکه يتلخص بحقيبه 
کانت معه منذ بدايه هذه الرحله الطويله المتعبه
 التي اشتعل بها روحه شيبا. 
فمضت عشره سنين علي رحلته و رحله الحقيبه. 
و الان ستکون معه في سفره الاخير. سفر العوده.
 نادي السائق المسافرين، 
فعرف ان هذا هو باصه 
فلم يکن باص آخر ينادي اسم مدينته.
 صعد الي الباص. 
سلم علي السائق فرد عليه السائق السلام.
 تحرک الباص
 و رددوا المسافرين الصلوات ثلاثه مرات. 
     کان الهوا يتقياء لهيبا عندما وصل الباص.
 اراد ان يکون آخر شخصا ينزل من الباص
 ولکن کانت عائله تستغرق وقتا طويل في النزول
 فقرر ان ينزل في قبلهم. 
     لم يتغير اي شيء.
 نفس البنايات المخروبه
 و نفس النخيل اللاتي ذبحن بلا رشفه ماء 
و نفس البيوت التي لا يوعد طرقهن باجابه. 
مشي علي طريق البيت و بدات الذکريات تمشي نحو ذاکرته. 
ضفه الشط لم تکن کما کانت 
ولکنها کانت جديره بان تجلب ذکريات غاليه 
و رحلاتهم الي ذاکرته.
راي رجلين يصطادان فسالهما عن الصيد 
و عما اذا کانوا يعروفون اصدقائه الذين کان ياتي للصيد معهم. 
ولک بدا کانما طاردتهم الظروف الصعبه
 الي مکان بعيدا عن هذه المدينه. 
رجع للبيت المغطي بالنسيان و الغبار 
و کل مسحه يد کانت تنفض الغبار 
عن ذکري قد تناستها السنين. 
کانت دراجته تنظر له کجريح 
ملقي في ارض المعرکه يتضرع للنجده.
 غير ملابسه. 
ارجع للبيت و البستان حيويته المسلوبه. 
و لکنه خسر المعرکه امام تعبه. 
فهو لم يعد قويا کالسابق.
     و مرت سنين طويله…
     اصبح الان الرجل عجوزا.
 لم يکن يذهب للشط لصيد السمک کثيرا 
بل کان غالبا يذهب ليجلس و ينتظر. 
ينتظر الغروب. 
     جائوه من البلديه في احدي الايام.
 سلموه رساله و صادروا ارضه
 و وعدوه بالمال.
 لم يکن مهتما بالمال. 
حاول و حارب و صاح. 
ولکن لم تکن بيده حيله. 
هزموه.
     کان اليوم احدي تلک الايام 
التي کان ابوغاليه جالس يتامل الشمس و السماء 
و ينتظر الغروب کالعاده مهموم و محزون. 
کان يفکر. 
يفکر بما يملک. 
قد رحلت زوجته و اخذوا منه ابنته الاعمياء 
و سلبوه ارضه فما الذي بقي؟
 اخذوا کل شيء. 
اخذوا کل موطن کان يسکنه. 
فاين وطنه الان؟
 نظر الي الشط. الي اقرب شيء قد يعني له “وطن”. 
نعم . هذا هو. الشيء الوحيد المتبقي. 
فنظر اليه مره اخري لينتبه 
انه لم يکن قليل العرض هکذا من قبل.
 و کان الصيادون يصطادون السمک بکثره في السابق.
 فماالذي حدث؟ 
التفت الي شاب جالس الي جانبه و ساله:
     _ يبه؟ ماي الشط ليش هلگد ناگص؟
     _ چا ما تدري يبه؟ ياخذونه الدير الفوگ.
     فادرک فجاه بحزن ان الشط ايضا ليس.
. ولکنه خاف ان يبوح حتي لنفسه هذا الواقع. 
فانتظر الغروب.
 ربما يکون الغروب وطنه.

المصدر موقع كارونيات

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: