
مركز دراسات عربستان الأحواز-حامد الكناني– تُعدّ زيارة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى المحمرة في نوفمبر/تشرين الثاني 1916 محطة مهمة في تاريخ العلاقات السياسية العربية في الخليج، إذ تكشف الوثائق البريطانية المعاصرة عن مكانة المحمرة في شبكة الاتصالات بين الحكام العرب، وعن الدور الذي أدّاه الشيخ خزعل بن جابر في استضافة القيادات العربية والمشاركة في التحركات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة عند دراسة تاريخ عربستان الأحواز قبل إنهاء حكم الشيخ خزعل عام 1925؛ فهي تتيح توثيق حضور المحمرة في المجال السياسي الإقليمي، وتوضح أن الشيخ خزعل كان طرفاً في لقاءات وتفاهمات تجاوزت نطاق شؤون إمارته العربية الموروثة إلى العلاقات العربية والخليجية الأوسع.
أولاً: التخطيط البريطاني للزيارة ودلالته السياسية
الوثيقة الأولى: برقية السير بيرسي كوكس، بوشهر، 13 نوفمبر 1916، مع برقية لاحقة مؤرخة في 15 نوفمبر 1916.
تقدم البرقية البريطانية المؤرخة في 13 نوفمبر 1916 دليلاً معاصراً على أن زيارة المحمرة كانت جزءاً من خطة سياسية ودبلوماسية مدروسة. فقد تناولت ترتيبات انتقال الملك عبدالعزيز بحراً لزيارة حكام الكويت والمحمرة، ضمن جولة شملت كذلك الترتيب لزيارة البصرة.
ومن العبارات الواردة في البرقية، بحسب ما يمكن قراءته في الصورة:
“a rapid visit to Sheikhs of Koweit and Mohammerah by water”
«زيارة سريعة بحراً لشيوخ الكويت والمحمرة».
وتكشف هذه العبارة عن إدراج المحمرة صراحةً ضمن الوجهات السياسية التي رأى كوكس ضرورة أن يزورها الملك عبدالعزيز. كما تشير البرقية إلى أن كوكس كان يرى في هذه الجولة فائدة سياسية كبيرة، وهو ما يعكس اهتمام السلطات البريطانية بتنسيق العلاقات بين الحكام المحليين خلال تلك المرحلة.
الدلالة التاريخية: إن ورود المحمرة بالاسم في خطة رسمية سابقة للزيارة يمثل شاهداً على حضورها في الحسابات السياسية الإقليمية عام 1916. وهو دليل على أهمية موقعها وحاكمها في شبكة العلاقات التي سعت بريطانيا إلى تنظيمها.

ثانياً: التقرير البريطاني يؤكد زيارة الملك عبدالعزيز إلى المحمرة ضيفاً على الشيخ خزعل
الوثيقة الثانية: Report on Najd Mission 1917–1918، الصفحة المطبوعة 49، ضمن السجل الأرشيفي IOR/R/15/1/747.
يأتي التقرير البريطاني اللاحق ليقدم شاهداً آخر على الزيارة، إذ يذكر انتقال الملك عبدالعزيز إلى المحمرة بعد زيارته الكويت، واستضافته من قبل الشيخ خزعل.
وترد في التقرير العبارة الإنجليزية التالية، وفق النص الوارد في المادة الوثائقية المقدمة:
“From Koweit Ibn Saud went to Muhammerah as the guest of Shaikh Khazal.”
«من الكويت، توجه ابن سعود إلى المحمرة ضيفاً على الشيخ خزعل».

هذا الاقتباس هو أوضح الأدلة المباشرة على وقوع الزيارة وعلى صفة الملك عبدالعزيز فيها؛ فهو لا يذكر المحمرة باعتبارها مجرد نقطة عبور، بل يربط الوصول إليها باستضافة الشيخ خزعل شخصياً. وتفيد هذه الصياغة في إبراز ثلاثة جوانب تاريخية:
– المكانة السياسية للمحمرة: ورودها محطةً في رحلة ملك نجد ضمن تحركات سياسية رتبتها السلطات البريطانية.
– مكانة الشيخ خزعل: ظهوره في التقرير بصفته حاكماً يستضيف الملك عبدالعزيز، بما يؤكد دوره في العلاقات الإقليمية.
– الطابع الرسمي للزيارة: توثيقها ضمن تقرير بريطاني أُعدّ في إطار متابعة العلاقات السياسية في المنطقة.
ثالثاً: من المحمرة إلى البصرة — امتداد الدور السياسي للشيخ خزعل
تتابع الرواية الوثائقية مسار الزيارة بالإشارة إلى انتقال الملك عبدالعزيز والشيخ خزعل معاً إلى البصرة مساء 26 نوفمبر 1916. وفي اليوم التالي، استقبل مسؤولون بريطانيون الملك عبدالعزيز، وقُدّم إليه سيف الشرف.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها تربط بين استضافة الشيخ خزعل للملك عبدالعزيز في المحمرة وبين المشاركة في تحرك دبلوماسي أوسع نحو البصرة. وتكشف بذلك عن أن الشيخ خزعل لم يكن مجرد مضيف، بل كان حاضراً في مسار الاتصالات السياسية الذي جمع حكام المنطقة بالمسؤولين البريطانيين.
رابعاً: المحمرة قبل عام 1925 — من الحضور السياسي إلى فقدان الحكم
عند وضع هذه الوثائق في سياق تاريخ عربستان الأحواز، تبرز أهمية عام 1916 بوصفه مرحلة كان فيها الشيخ خزعل يمارس الحكم، ويستقبل قادة عرباً، ويشارك في الاتصالات السياسية الإقليمية. وبعد ذلك، شهدت المنطقة تحولاً كبيراً انتهى باعتقال الشيخ خزعل عام 1925 وإنهاء حكمه.
ومن منظور الرواية التاريخية التي تركز على السيادة العربية في الأحواز، فإن المقارنة بين المرحلتين تبرز الفارق بين المحمرة التي تظهر في وثائق عام 1916 بوصفها مقراً لحاكم فاعل في العلاقات الإقليمية، وبين المرحلة اللاحقة التي انتهى فيها حكم الأسرة الكعبية.
تؤكد البرقية البريطانية المؤرخة في 13 نوفمبر 1916 أن زيارة المحمرة كانت مدرجة ضمن خطة سياسية مسبقة، فيما يؤكد تقرير Report on Najd Mission 1917–1918 أن الملك عبدالعزيز توجه من الكويت إلى المحمرة ضيفاً على الشيخ خزعل. ويشكل هذان المصدران معاً دليلاً وثائقياً مهماً على وقوع الزيارة وعلى الدور الذي أدته المحمرة والشيخ خزعل في العلاقات السياسية العربية والخليجية آنذاك.
وتتضح أهمية هذه الشواهد عند دراسة تاريخ عربستان الأحواز قبل عام 1925؛ فهي توثق مرحلة كان فيها الشيخ خزعل يمارس الحكم ويستقبل كبار الحكام، قبل التحول الذي أنهى حكمه.
المصادر والمراجع الأرشيفية
1. Sir Percy Cox، برقية من بوشهر، 13 نوفمبر 1916، رقم T 33، ضمن ملفات الدائرة السياسية البريطانية. تتناول الترتيبات المسبقة لنقل الملك عبدالعزيز بحراً لزيارة حكام الكويت والمحمرة. ويظهر رقم القيد P47807/16 في الوثيقة المصورة التي قدمتها.
2. Report on Najd Mission 1917–1918. Baghdad: Government Press, 1918، الصفحة المطبوعة 49، والسجل الأرشيفي British Library, India Office Records، رقم الحفظ IOR/R/15/1/747. Qatar Digital Library
3. Qatar Digital Library، السجل الرقمي للتقرير البريطاني، وهو يتيح الاطلاع على صفحات التقرير الأصلي وبياناته الأرشيفية: Report on Najd Mission 1917–1918. Qatar Digital Library
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.