
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- من رحلة اللجوء والاغتراب إلى موقع المسؤولية والقرار.. نجاح يجسد مسيرة الاندماج والمشاركة السياسية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام أبناء الجاليات الأحوازية في المهجر.
في إنجاز تاريخي يحمل دلالات سياسية واجتماعية وإنسانية عميقة، انتخب مجلس مدينة أولدنبورغ الألمانية، يوم الاثنين الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، الدكتور موسى مزيدي، ابن الشعب الأحوازي، لمنصب عمدة المدينة، ليكون واحداً من ثلاثة نواب لرئيس البلدية الأعلى، وأول شخصية من أصول مهاجرة تتولى هذا المنصب، وفق ما أعلنه مزيدي في بيان نشره على صفحته في منصة فيسبوك.
وجاء انتخاب مزيدي، المنتمي إلى حزب اليسار الألماني، خلال الجلسة التأسيسية للمجلس البلدي الجديد، حيث حصل على 37 صوتاً، ليتولى مهامه إلى جانب اثنتين من زميلاته المنتخبات، في منصب شرفي يتضمن تمثيل المدينة والقيام بمهام رسمية نيابة عن رئيس البلدية الأعلى، ياشا روور، وذلك لمدة خمس سنوات.
ويمثل هذا الفوز محطة بارزة في مسيرة الحضور الأحوازي في المجتمعات الأوروبية، ولا سيما بالنسبة إلى أبناء الرعيل الأول من اللاجئين الأحوازيين الذين وصلوا إلى القارة الأوروبية قبل عقود، بحثاً عن الأمن والاستقرار والحياة الكريمة، ثم تمكنوا من بناء مستقبلهم في بلدان اللجوء، والحصول على جنسياتها، والمساهمة في مؤسساتها ومجتمعاتها.
ولا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الموقع الرسمي الذي بلغه الدكتور موسى مزيدي، بل تتجاوز ذلك إلى ما يحمله من رمزية لجيل كامل عاش تجربة اللجوء والغربة، وواجه تحديات اللغة والاندماج والاختلاف الثقافي، قبل أن يجد طريقه إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار المحلي.
من تجربة اللجوء إلى المشاركة في قيادة المدينة
تكتسب تجربة الدكتور موسى مزيدي أهمية خاصة بالنظر إلى مسيرته الطويلة في مدينة أولدنبورغ، التي اتخذها موطناً له ولأسرته منذ عقود، وانخرط خلالها في ميادين العمل الاجتماعي وشؤون الهجرة واللجوء والاندماج، إلى جانب مشاركته الفاعلة في الأنشطة التطوعية والمجتمعية.
وقد أسهمت هذه التجارب في تعزيز حضوره داخل المجتمع المحلي، وبناء علاقات واسعة مع مختلف شرائح السكان، وصولاً إلى نيل ثقة المجلس البلدي وانتخابه لهذا المنصب.
وفي رسالة نشرها على صفحته في فيسبوك عقب انتخابه، عبّر الدكتور مزيدي عن اعتزازه بهذه الثقة قائلاً:
يسعدني ويشرفني كثيراً أن يمنحني مجلس مدينة أولدنبورگ ثقته بانتخابي عمدةً للمدينة.
وأكد أن انتخابه باعتباره أول عمدة من أصول مهاجرة في تاريخ المدينة يحمل بالنسبة إليه معنى خاصاً وعميقاً، ولا يمثل مجرد إنجاز شخصي، وإنما يعكس قيم التنوع والمساواة والتعايش التي يتميز بها المجتمع المحلي.
كما شدد على عزمه أن يكون ممثلاً لجميع سكان أولدنبورغ، بغض النظر عن أصولهم العرقية أو معتقداتهم أو توجهاتهم، وأن يعمل بإخلاص على تعزيز الحوار والتعاون وبناء الثقة بين مختلف مكونات المدينة.
إنجاز للرعيل الأول من اللاجئين الأحوازيين
يمكن النظر إلى انتخاب الدكتور موسى مزيدي بوصفه واحداً من أبرز الإنجازات السياسية والمؤسساتية التي يحققها أبناء الرعيل الأول من اللاجئين الأحوازيين في أوروبا، وربما سابقة من نوعها على مستوى هذا المنصب.
فهذا الجيل، الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن وطنه الأم، لم تكن رحلته سهلة؛ إذ اضطر كثير من أبنائه إلى البدء من جديد في مجتمعات تختلف في لغاتها وأنظمتها وثقافاتها. ومع مرور الزمن، تمكن عدد منهم من تجاوز الصعوبات، والحصول على التعليم والتأهيل المهني، وتأسيس الأسر والمؤسسات، والمشاركة في النشاط المدني والسياسي.
ويأتي نجاح مزيدي ليقدم صورة ملموسة عن قدرة الإنسان الأحوازي على الانتقال من موقع اللاجئ الذي يبحث عن الحماية والاستقرار إلى موقع المواطن الفاعل الذي يحظى بثقة المؤسسات الديمقراطية ويسهم في خدمة المجتمع الذي يعيش فيه.
كما يؤكد أن الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية الأحوازية لا يتعارض مع الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية، بل يمكن أن يتكامل معه في إطار احترام القانون والتعددية والمواطنة المتساوية.
رسالة أمل للأجيال الأحوازية الجديدة في المهجر
من أبرز الجوانب التي تمنح هذا الفوز أهميته أنه يقدم نموذجاً ملهماً للأجيال الثانية والثالثة من أبناء الجاليات الأحوازية في أوروبا.
فانتخاب شخصية أحوازية إلى موقع مسؤولية في مؤسسة بلدية ألمانية يبعث برسالة واضحة إلى الشباب الأحوازي مفادها أن أبواب المشاركة السياسية والإدارية والمجتمعية ليست مغلقة أمامهم، وأن الانخراط في مؤسسات البلدان التي يحملون جنسياتها يمكن أن يفتح لهم آفاقاً واسعة للنجاح والتأثير.
ومن شأن هذا الإنجاز أن يشجع مزيداً من الشباب الأحوازي على الاهتمام بالدراسة الجامعية، والعمل العام، والانضمام إلى الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية، والمشاركة في الانتخابات المحلية والوطنية، بدلاً من الاكتفاء بدور المتابع للأحداث من خارج المؤسسات.
كما يمكن أن يسهم في تعزيز ثقة أبناء الجاليات الأحوازية بقدراتهم، ويدفعهم إلى بناء جسور أوسع مع المجتمعات الأوروبية، وتقديم صورة إيجابية عن أبناء الشعب الأحوازي وإسهاماتهم في الحياة العامة.
أهمية سياسية واجتماعية تتجاوز حدود أولدنبورغ
لا يعني انتخاب الدكتور موسى مزيدي أنه أصبح ممثلاً سياسياً رسمياً للشعب الأحوازي داخل المؤسسات الألمانية؛ فمسؤوليته الأساسية تتمثل في خدمة جميع سكان مدينته، وفق القوانين والواجبات المرتبطة بمنصبه.
غير أن جذوره الأحوازية تمنح هذا النجاح بعداً معنوياً يتجاوز حدود المدينة، إذ يظهر قدرة أبناء الجاليات الأحوازية على اكتساب الثقة والاحترام داخل المجتمعات التي استقروا فيها.
ومن الممكن أيضاً أن يساهم حضوره في الحياة العامة في تعزيز معرفة المجتمع المحلي بتجارب المهاجرين واللاجئين، وبالتحديات التي يواجهونها، وبأهمية توفير فرص عادلة للمشاركة والاندماج.
ويظل الأثر الأهم لهذا النجاح متمثلاً في تحويل التجربة الفردية إلى مصدر إلهام جماعي، وفي ترسيخ قناعة بأن المشاركة في مؤسسات الدولة والمجتمع تتيح لأبناء الجاليات فرصاً حقيقية للتأثير الإيجابي وخدمة الصالح العام.
تهنئة مستحقة للدكتور موسى مزيدي
وبهذه المناسبة التاريخية، نتقدم بأحر التهاني وأصدق التبريكات إلى الدكتور موسى مزيدي بمناسبة نيله ثقة مجلس مدينة أولدنبورغ وانتخابه لهذا المنصب الرفيع، معربين عن اعتزازنا بما حققه من نجاح يمثل مصدر فخر لأبناء الجالية الأحوازية في ألمانيا ومختلف الدول الأوروبية.
إن هذا الفوز ليس مجرد تتويج لمسيرة شخصية حافلة بالعمل الاجتماعي والمشاركة المدنية، بل هو أيضاً مناسبة للاحتفاء بجهود جيل من الأحوازيين الذين صنعوا لأنفسهم ولأبنائهم مكانة محترمة في مجتمعاتهم الجديدة، دون أن يفقدوا ارتباطهم بجذورهم وهويتهم.
ونتمنى للدكتور موسى مزيدي دوام التوفيق والسداد في أداء مسؤولياته الجديدة، وأن تكون السنوات الخمس المقبلة حافلة بالعطاء والإنجاز وخدمة جميع أبناء مدينة أولدنبورغ، وأن يشكل نجاحه حافزاً لمزيد من الكفاءات الأحوازية الشابة للسير في طريق المشاركة السياسية والعمل المؤسسي.
إن انتخاب الدكتور موسى مزيدي يؤكد أن مسيرة اللجوء، مهما كانت صعبة، يمكن أن تتحول عبر العمل والمثابرة والاندماج إلى قصة نجاح، وأن أبناء الأحواز قادرون على الإسهام في بناء المجتمعات التي احتضنتهم، والوصول إلى مواقع المسؤولية والثقة والتقدير.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.